مقدمة لابد منها

هل يعلم المسلم لماذا يواصل المسلمون تخلفهم ، ولماذا يزداد تفرقهم ، ولماذا يزداد بعدهم عن الإسلام، والإسلام بين أيديهم ؟؟؟
إن كنت ممن يحب الله ورسوله والإسلام بقلب طاهر سليم فستجد ضالتك في هذه السلسلة، وإن كنت تبحث عن الإسلام ولا تجده، فستجده في هذه السلسلة إن شاء الله، وإن كنت تريد نهضة الإسلام والمسلمين، ولكن لا تعرف كيف تتم، فابدأ بنفسك وتابع هذه السلسلة بشيء من الإهتمام، وإن كنت تريد أن تؤدي حق الله عليك في طلب العلم الشرعي والعمل بالإسلام والدعوة للإسلام فستعطيك هذه السلسلة
حاجتك إن شاء الله إن تابعتها بإخلاص


يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً }الكهف57

الحلقة الأولى - شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله

هَلْ مَا دَرَسْنَاهُ ودرسَه الناسُ اليومَ فِيْ الْمَدَارِسِ ويدرسونَه؟ وهل الْعِلْمُ وَالْفِكْرُ الَّذِيْ تَلَقَّيْنَاهُ ويتلقاه الناسُ اليوم عن الإسلام، وَالَّذِيْ نُقِلَ إِلَىَ الأجيال الْحَاضِرَةِ هُوَ الإسْلَامُ الْحَقِيقَي الَّذِيْ نَزَلَ عَلَىَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أي هل الإسلامُ الذي نراه اليومَ بين أيدينا هو الإسلامُ الذي أنزله الله على سيدنا محمد؟ وهل الحياةُ التي يعيشُها المسلمون اليومَ هي الحياة الإسلامية التي ارتضاها الله للمؤمنين والمسلمين أن يَحيَوها؟ وهل الذلُّ والمهانة والخضوعُ والتخلفُ الذي يعيشه المسلمون اليومَ هو نتيجة للإسلام الذي كُلّفنا بحمله، أمَ الذي نحمله اليومَ يحملُ نفسَ اسم الإسلام، ولكنه ليس الإسلامُ الذي أنزله الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟

في الواقع يَظُنُّ كَثِيْرٌ مِنَ المسلمين وغيرُ المسلمين وحديثو العهد بالإسلامِ أَنَّ العلمَ الذي تَلَقَّيْنَاهُ فِيْ الْمَدَارِسِ عن الإسلام، وَالْفِكْرَ الَّذِيْ يَتَنَاقَلُهُ الْمُسْلِمُوْنَ فِيْمَا بَيْنَهُمْ، وَالْعِلْمَ الَّذِيْ يَصِلُنَا مِنْ عُلَمَاءِ الْسُّوْءِ، وَالْوَاقِعَ الَّذِيْ نَعِيْشُهُ الْيَوْمَ، أَنَّ ذَلِكَ كُلَه يُمَثِّلُ صُوْرَةَ الإسْلَامِ الَّذِيْ نَزَلَ عَلَىَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصورةَ الحياة الإسلامية، وَفِيْ الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ الْوَاقِعَ غَيْرُ ذَلِكَ تَمَاما، فَمَا دَرَسْنَاهُ اليومَ وَمَا يُدْرُسُهُ أَبْنَاؤُنَا فِيْ الْمَدَارِسِ وَالْجَامِعَاتِ وَغَيْرِهَا، وَمَا يَتَحَصَّلُهُ الْمُسْلِمُوْنَ من العلم عن الإسلام، وما يَرَوْنَهُ مِنْ الإسلام هُوَ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْإِسْلَامَ في بعض أحكامه، بل إنه ليس هو الإسلام، وَلَيْسَ مِنْ الإسلام فِيْ شَيْءٍ، لا بِأُصُوْلِهِ ولا بِفُرُوْعِهِ، ولا بِحَقِيْقَةِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيه، ولا بِكَيْفِيَّةِ الْعَيْشِ بِه، فَكَيْفَ حَصَلَ ذَلِكَ؟

إِنَّ الْمَوَادَّ الْتَّعْلِيْمِيَّةَ فِيْ الْمَدَارِسِ كافة، مِنْ علوم عن الفِقْهِ وَالحَدِيْثِ وَالتَوْحِيْدِ وَالقُرْآَنٍ الكَرِيْمٍ، هِيَ مُجَرَّدُ ثَقَافَةٍ ومعلومات، يَسْتَطِيْعُ الْمُسْلِمُ، بَلْ حَتَّىَ الْكَافِرُ أَنَّ يَتَعَلَّمَهَا، وأن يَحْفَظَهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، دُوْنَ أَنْ تُؤَثِرَ فِيْهِ مِثْقَالَ شَعْرَةٍ، لأن الأصْلَ فِيْ دَرْسِ الإسْلامِ وَتَعَلّمِهِ عِدَّة مَسَائِلَ مُهِمَّةٍ وَخَطِيْرَةً، وَهِيَ الَّتِي تَصْنَعُ الْشَّخْصِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّة بالإسلام الْحَقِيقَيِّ الَّذِيْ نَزَلَ عَلَىَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَأَتَمُّ الْتَّسْلِيمِ.

ولنبدأ بالأصلِ الذي يكونُ المسلمُ به مسلماً، ويُدخلُه في دائرة الإسلامِ والمسلمين، هذا الأصل هو الشهادتان، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، حيث أن الدُّخُوْلَ فِيْ الإسلام لا يكونُ إلا بهاتين الشهادتين، وذلك بتَعَلُمِهِمَا ودَرْسِهِما وَفَهْمِهِمَا، والقبولِ بهما، أي بتَبَنّيهما، ثُمَّ الْعَمَلُ بما جاءتا، والعملُ عَلَىَ تَحْقِيْقِ مُقْتَضِيَاتِهِما فِيْ وَاقِعِ الْحَيَاةِ، وَهَذَا لا يَتِمُّ إلا عِنَدَمَا يؤمن الإنْسَانُ بِعَقْلِهِ بِوُجُوْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن هذا القرآن منزلٌ من عند الله، وأن محمدَ بن عبد الله نبيُّ الله ورسولُه، ثُمَّ يُؤَمِنُ بِمَا وَرَدَ فِيْ الْشَّهَادَتَيْنِ بِأَنَّ الْعُبُوْدِيَّةَ أَيُّ الإتّباعَ وَالْحَاكِمِيَّةَ، أَيْ الأمر وَالْنَّهْيَ أنهُمَا لِلَّهِ وَحْدَهُ،َ لَيْسَتْ لأيِّ مَلكٍ أَوْ حَاكِمٍ أَوْ رَئِيْسِ أَوْ بَرْلَمَانٍ، أو لأيِّ نظامٍ من أنظمة الدنيا.

من الطَبِيْعِيِّ أَنَّ هَذِهِ الْفِكْرَةَ بِهَذَا الْتَّفْسِيْرِ الْصَّحِيْحِ لا تَرُوْقُ لِمَلِكٍ ولا لِحَاكِمٍ، ولا لأمْرِيكَا أَوْ أُوْرُوبَّا أو للشرق أو للغرب من المستعمرين والمحتلين لبلاد المسلمين، لأن هَذِهِ الفِكْرِةَ هِيَ الْفِكْرَةُ الْصَّحِيْحَة لِلشَهَادَتَينَ وهي تحمل في طياتها ثورةً تحررية عظيمة للإنسان، وتمرداً ضد كل ظلم وقهر وعبودية وفقر وذل وهوان، وفيهما تحرر من كل سيد على الأرض سوا الله سبحانه وتعالى، فَلِذَلِكَ فإن الشهادتين بواقعهما هذا التحرري لا تُدَرّسُا اليوم فِيْ الْمَدَارِسِ بحقيقتهما على الإطلاق، بَلْ تُدرّسا مشوهةً وتُحْفظ مُجَرَّدَةً مِنْ أَيِّ مَعْنَىً وَفَهِمَ، لأنهَما لَوْ دُرِّسَتَا بِهذه الْكَيْفِيَّةِ الْصَّحِيْحَةِ، وَدُرِّسَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَىَ الإقرار بِهِمَا مِنْ تَبْنِي وَمِنْ عَمَل، لأدَّى ذَلِكَ لأنْ يَكْفُرَ الْنَّاسُ بِالْحَاكِمِ وَبِالنّظَامِ الَّذِيْ يُطَبِّقُهُ عَلَيْهِمْ، وَلدَعَاهُمْ ذَلِكَ لِلْخُرُوْجِ عَلَيْهِ، لِمُخَالَفَة الحاكمِ تطبيقَ شرع الله ومخالفتِه مَا تَقْتَضِيْهِ الْشَّهَادَتَانُ مِنْ تَكَالِيْفَ وَأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ وَأَحْكَامٍ وَنُظُمِ، ولدعاهم للثورة ضد أعداء الإسلام والمسلمين والمغتصبين.

وَمِنْ هُنَا يَبْدَأُ الْخَلَلُ فِيْ بِنَاءِ الْشَّخْصِيَّةِ، فَبَدلاً مِنْ أَنْ تُصْبِحَ شَخْصِيَّةٌ الْمُسْلِمِ شخصية إِسْلامِيَّةً، تُصْبِحُ شَخْصِيَّةٌ مُسْلِمَةً بِالْهُوِيَّةِ فَقَطْ، وَيُصْبِحُ الْنَّاسُ "بِدُوْنِ عِلْم" يُؤْمِنُوْنَ بِشَيْءٍ غَيْرَ الَّذِيْ شَهِدُوْا لَهُ بالإلوهية وَهُوَ الْلَّهُ، وَيُؤْمِنُوْنَ فعليَّا بِغَيْرِ الْرِّسَالَةِ الَّتِيْ نَزَلَتْ عَلَىَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحقيقة فكرتها، وحقيقة العمل والحياة بها.

فَالإِلَهُ كَمَا ذَكَرْنَا هُوَ الْمَعْبُوْدُ الْمُطَاعُ الْمُتَّبَع، والشهادتان تطلبان ممن يشهدُ بهما أن لا يكون إلا الله هو وحده الإله، ولا يُقرُّ بالإلوهية لغيره، أي لا يُشرَك معه شيءٌ من الخلق أو الأنظمة أو القوانين، فيكون اللهُ هو السيدُ الآمرُ الناهي المشرّع المعبود المطاع،، وَرِسَالَةُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَكُوْنُ الإِيْمَانُ بِهَا إِلَا إِذَا كَانَ لَهَا وَاقِعَا عَمَلِيّا، أَيْ تُطَبَّقُ فِي وَاقِعِ الْحَيَاةِ،، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذلك، لَمْ يشْهِدْ الْنَاسُ أَنَّ لا إِلَهَ إلا الْلَّهُ، وَلم يشهدوا أَنَّ مُحَمَّدا رَسُوْلُ الْلَّهِ.

قَالَ الْلَّهُ تَعَالَىْ فِيْ سُوْرَةِ الأنْعَامِ 19

قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً، قُلِ الْلَّهُ شَهِيْدٌ بِيْنِيْ وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُوْنَ أَنَّ مَعَ الْلَّهِ آَلِهَةً أُخْرَىَ، قُلْ لا أَشْهَدُ، قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِيْ بَرِيْءٌ مِّمَّا تُشْرِكُوْنَ.

الحلقة الخامسة والخمسون - الثورات العربية - الجزء الرابع : مطالب الثورات وأبعادها ومصيرها - الدولة المدنية والملكية الدستورية

إن المطالبة بالإسلام الذي قد اتبعته كل الأمة التي تتظاهر اليوم وهي تثور على أكبر شيء في الدنيا، تتظاهر على الأنظمة وعلى واضعيها وعلى رؤوس الأنظمة، لا يُتصور أنها تطالب بشيء غير الإسلام وبغير نظام الإسلام، وقد أوضحنا في الحلقات السابقة ما الذي دفع الشعوب الإسلامية العربية لأن تطالب بغير ما تؤمن به،، لكننا التمسنا العذر للشعوب من العامة التي غُيب عنها علمٌ كثير أو قد ضُللت، أو تم تحريف هويتها. ولكن هل تنطبق تلك الأعذار على الخاصة من المتعلمين والنهضويين من أصحاب الدعوة وعلى طلبة العلم الشرعي؟


الثورات وعلماء السوء:

إن عامة الناس تنظر دائماً إلى علمائها وقادتها ومفكريها فتأخذ منهم الرأي والمشورة والتوجيه، فتتحرك في الاتجاه الذي يرسمه هؤلاء لهم، والمصيبة أن الأمة ابتليت اليوم بعلماء السوء، علماء السلاطين، وبغيرهم من علماء الاتجاه الواحد في الفقه أو الحديث أو التفسير، وهؤلاء ليس لديهم أي فقه في علم السياسة ونظام الإسلام ونظام الحكم في الإسلام وأنظمته السياسية الأخرى، وكذلك بعلماء الاستهلاك الإعلامي. نجد هؤلاء وعلماء الاتجاه الواحد وعلماء السوء لا تُسلط الأضواء إلا عليهم وعلى آرائهم كما رأيناهم من قبل الثورات، واليوم أصبحنا نراهم وقد شمر بعضهم عن ساعده وقام يركب موجة الثورات وطفق يدندن على الثورة، ويزيدها حطباً وناراً، بعد أن كان بالأمس يمتدح هذا الحاكم أو ذاك ويداهنه ويتمسح بعباءته ويتسلم جوائزه،، أما بعضهم فما زال صامداً مع الباطل، دون أي حياء ضد الأمة الثائرة علّه يدخل الجنة مع الحاكم الكافر في الآخرة كما كان خليله في الدنيا وشريكه في النعيم، أو نجد آخرين منهم ما زالوا يسبَحون في أفلاك الحيض والنفاس بعيداً عن هموم الأمة وجراحاتها،، "يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ" سورة البقرة 9


هذه الفئات من علماء السوء خرجوا يتحدث بعضهم في قضية الثورات كعادتهم بكل جرأة وبدون حياء، دون أن يقدموا للناس فهماً ولا علماً ولا دراية، لا من الفقه ولا من السياسة، ودون تقديم أيّ حلول أو بدائل سياسية للنظام القائم.


أما بعضهم تكلم ويا ليته لم يتكلم، فقد طرحوا حلولاً وبدائل ليس لها أصل إسلامي على الإطلاق، غير فكرية، وليس لها علاقة بالسياسة، فيا ليتهم يصمتون ولا يقولون شيئاً فهو أشرف لهم وأهدى للأمة، فشعوب اليوم ليست كشعوب الأمس.


الحلول الجاهلية المطروحة لعامة الناس وخاصتهم من الثوار:

لقد احتار كثير من الناس في الحلول التي قدمها كثير من المتفيقهين وعلماء السوء يعينهم في ذلك الأعداء المباشرون من العلمانيين والليبراليين (كلاهما واحد)، فقد تحدث بعضهم وطرح حلولاً للناس على رأسها ما اشتُهر به من المطالبة بالدولة المدنية، ويحاولون هم وغيرهم من المغرضين أو غير المغرضين تضليل المسلمين الثائرين بها عمداً أو جهلاً، بجعلها مطلباً لهم.


ما هي الدولة المدنية؟

إن الدولة المدنية هي دولة تقوم على فصل الدين عن الحياة، وعلى تطبيق نظام الحكم الرأسمالي الديمقراطي، وما المطالبون بها والداعون إليها إلا من الأشخاص المضبوعين بأوروبا وأمريكا من العلمانيين، أو من علماء السوء وأشباههم المضبوعين بنهضتها الزراعية والصناعية والعلمية والتعليمية والصحيّة والتطور العمراني فيها، وعلى أنها دولة تتيح لجميع الأجناس العيش فيها والمساواة بينهم، وأنها توفر لهم الأعمال والعيش الرغيد، وتحقق لهم الأمن والعزة والكرامة لما فيها من تطور مدني وحرية مطلقة للشعب، بلا قمع ولا محاسبة في الرأي.


هؤلاء وغيرهم من المتفيقهين بما فيهم علماء السوء، لم يكلفوا أنفسهم يوماً بالدراسة وبالنظر في تاريخ هذه البلدان الاستعمارية الكافرة، وكيف نشأت، وكيف أنها بنت كل هذه النهضة المفتونون بها على حساب دماء وثروات المسلمين وما زالوا، لذا شحذوا هممهم عندما فاجأهم الناس وسألوهم ما عليهم المطالبة به بعد إسقاط النظام، فأجابوهم من فورهم استنادا إلى الصورة الفاتنة التي يعرفونها عن الغرب بأن على الناس المطالبة بالدولة المدنية، ولكن كون أننا مسلمين فنُلصق بها تسمية الإسلام، فنقول دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية،، خبال على خبال،، فليس لمن يقول بذلك علمٌ بنظام الحكم الرأسمالي، وليس لديه علم بالنظام الاقتصادي الرأسمالي، ولا علم بالنظام الاجتماعي الرأسمالي، ويثبت كذلك للناس أن ليس لديه علم حتى بأمر الله تعالى وحكمه بحرمة أخذ حكم واحد من غير أحكام الإسلام، أو الرضا أو القبول به، ناهيك عن تبني نظام دولة كفر بكامل أنظمتها وقوانينها.


إن علماء السوء هؤلاء وأشباههم يقولون ألفاظاً لا يدرك الناسُ مدلولاتِها لشدة جهل الناس بأمور السياسة والشرع، فيقولون أن الدولة المدنية يجب أن يكون فيها الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع، وهذا قول باطل، ولو قالوا أن يكون الإسلام هو المصدر الوحيد للتشريع لصحّ ذلك ولعنيَ أنهم يطالبون بعودة الإسلام كاملاً في دولته المعلومة دولة الخلافة، ولربما هذا ما أرادوا تجنبه، لأنهم لا يعلمون الماهية التي على أساسها يقيمون دولة الخلافة، فهم غير مؤهلين لدولة الخلافة،، فلماذا يريدون إذن أن يحرفوا الأمة عن مطلبها الحقيقي بالكيفية الصحيحة الشرعية ويضللوها ويأخذوها بعيداً عن طريق الصواب؟ ويُدخلوها في متاهات وَوُحُول لا ينجو منها أحد؟ فكأن هؤلاء يؤثرون أن تغرق الأمة بقيادتهم وأهوائهم، لا أن تنجو الأمة بقيادة غيرهم؟


ما هي الملكية الدستورية:

ثم ظهر غيرهم، من المحسوبين على العلماء في التلفزيون أو غيرهم من المفكرين والعلمانيين ومن التابعين للحكام القائمين، يطالبون بملء فيهم بما يُسمى بالملكية الدستورية وأهمية تطبيقها كحل وسط وجيد للدول الملكية أو الأميرية أو الجمهورية القائمة اليوم.


إن الملكية الدستورية هي تزاوج بين الملكية والجمهورية، أي تعني أن يبقى الحاكم القائم ملكاً على البلاد التي يحكمها، ولكن بأن تتقيد صلاحياته التشريعية، وتعطى الصلاحية للشعب والبرلمان، وكذلك السلطات التنفيذية، ويقوم الشعب باختيار رئيسٍ لهذه الدولة بالانتخاب، أي أن هذه الدولة تعطي أحقية للملك بسلطان فوقي وقداسة لا يمسها أحد، وأما شؤون الناس فيديرونها هم بأنفسهم ويحكمون أنفسهم بأنفسهم كالنظام الديمقراطي وبرئيس منتخب.


هذه الفكرة لو صدرت من أحد الأوروبيين أو الأمريكيين الكافرين لقلنا أن هذا ما نضح به إناء قاعدتهم الفكرية، فصل الدين عن الحياة، أما أن تصدر من مسلم أو مفكر مسلم أو من المحسوبين على العلماء؟ فهذا مما لا يطيقه العقل ومما لا يقبله الحياء من الله ورسوله أو من المؤمنين.


فعلى المسلمين اليوم أن لا يغرّهم هؤلاء وأمثالهم من علماء السوء، فالإسلام لا يمثل إلا نفسه، وليس هناك في الأرض من يمثل الإسلام بشخصه بعد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فلا تغرنكم شخوص إعلامية وشهرتها، ولا تغرنكم مظاهر التقى فيهم، فالإسلام ليس له مثيل، لا عند الغرب ولا عند الشرق، وهو في حاجة لمن يطالب به ويطالب بتطبيقه كاملاً غير منقوص ولا مشروط، ولا معلق بأمرٍ ولا محرف عن أصوله، والنظام السياسي والتشريعي فيه بأصوله وفروعه هو الذي أورثه رسول الله صلى الله عليه في صورة خلافة راشدة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه والصحابة أجمعين، فلنعد إلى الحق الأبلج ونترك ما في الإعلام وعند السفهاء تلجلج.


قال الله تعالى في سورة آل عمران 103

وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }

قال الله سبحانه وتعالى في سورة النساء 139:

{الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً}

قال تعالى في سورة البقرة 168 {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}

الحلقة السادسة والخمسون - الثورات العربية - الجزء الخامس : إحراف مسار الثورات الإسلامية العربية

لقد أربكت الثورات الإسلامية العربية كل القوى العالمية، وأربكت كل شياطين الجن والإنس في الداخل والخارج، وأربكت كل الحكام العرب من الدول المجاورة والبعيدة، وأربكت حكام الاستعمار، أربكتهم كلهم، فهم جميعهم سادة وتابعين حلفاء وأصدقاء وأولياء الحظيرة الواحدة.


إن هاجس الإسلام والدولة الإسلامية، وحقيقة وجودها سابقاً واحتمال عودتها مازال ماثلاً في أذهان الغرب والشرق، وما زال يقلقهم ويؤرقهم، بالرغم من سقوطها على أيديهم، وبالتالي فإن الكافر المستعمر هو أكثر من يحس بالدولة الإسلامية اليوم، ويعرف أهميتها وقيمتها، ويدرك قوتها وعدلها، ويهاب كارثة عودتها في السيطرة على العالم أجمع، وقطع الطريق على الاستعمار واللصوص والمجرمين، وهو الذي يحس بالدولة الإسلامية أكثر من المسلمين أنفسهم، فكما بيّنّا من قبل كيف قد نجح الغرب وأولياؤه من حكام وعلماء السوء في البلاد الإسلامية والعربية من محو حقيقة دولة الخلافة من عقول المسلمين وأفئدتهم، ومن أهمية وجودها المصيري لحياتهم ومماتهم، ونجحوا في تشويه صورتها في أذهانهم، وغيبوا ذكراها عنهم وعن الأجيال الحاضرة، وكيف غُيبوا عنهم حتى إمكانية أو احتمال عودتها، وكادوا يلغون جعلها مطلباً للمسلمين.


ومن ألوان هذا العبث بالأمة الإسلامية ما تم نشره وإطلاقه في العالم الإسلامي من أحزاب علمانية واشتراكية وشيوعية، وأعانوا على نشر أفكارها ومطالباتها، وتطبيق بعض أفكارها، وتدريسها بشكل جماعي وشعبي، كما حصل ذلك في العراق وحضرموت وبلاد الشام وغيرهم، وقد نجحوا بالفعل تلويث عقول جيل كامل من جيل الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي من المسلمين.


ولا ننس ما تم العمل عليه بقوة، باستخدام الإسلام لمحاربة الإسلام، بنشر أفكار (إسلامية!) محرفة، في إطار ما يسمى بالإسلام الوسطي، أو في إطار أطياف من الأفكار الصوفية ممن ليست من الإسلام في شيء، أو نشر حركات دعوية، مدعومة بمبالغ طائلة، للدعوة إلى الأخلاق والشعائر التعبدية، على أساس أن هذه الأفكار هي السبيل "بزعمهم" إلى الوصول إلى عالم إسلامي مثالي رومانسي، يجعل من المسلمين ملائكة مسالمين ومستسلمين في حظائر الاستعمار ومراتعه.


ولا ننس كذلك ما آل إليه واقع المسلمين من تفرقة بين المذاهب الفقهية الإسلامية، وعلى رأسها المذاهب السنية والمذاهب الشيعية، وقيام الدول بتبني مذهبٍ ما، وتكفير وقتال المسلمين الآخرين به من المذاهب الأخرى من الدول المجاورة، واستخدام هذا الأمر من الحكام لصناعة آلةٍ للكره والكراهية بين الشعوب في خدمة تفريقهم، واستخدامهم في الأعمال السياسية والقتالية ووقت الأزمات.


ولا ننس في إطار العبث بالأمة الإسلامية ما عكسته الدعاوى الوطنية والقومية على الشعوب ومواقفهم ووحدة فكرهم، فهذا مصري متعصب، وذاك عراقي متفاخر، وذاك حجازي أو نجدي أو خليجي متكبر، وهذا تونسي، وذاك ليبي أو يمني، كل ذلك ألقى بظلاله على الشعوب بأنانيتها وتفردها بهمومها واهتماماتها، بعد أن كان شعور الانتماء والفخر عند المسلمين عظيماً وقوياً في اتجاه أن أمتهم أمة واحدة، ومطلبهم واحد، ولا يعرفون حدودا بين هذا أو ذاك، غير شعور الانتماء إلى كل بلاد المسلمين أينما كانوا وأينما حلّوا.


ولا ننس التجارب التي قامت بها أكثر الحركات الإسلامية الغير منهجية بين الناس بين انتهازي ومتحمس وقتالي وصادق وجاهل،، هذه الحركات تسببت حقيقة في تشويه صورة العمل الإسلامي والإسلام عند الشعوب الإسلامية العربية وغير العربية، ناهيك عن منهجية التعصب والحزبية مما يعاني منه بعضها، هذا وذاك خلق نفوراً للناس من الأحزاب والجماعات الإسلامية، ونفوراً من مناهجها، حتى ولو بدا على إحدى الحركات أو الجماعات أو الأحزاب الصدق والمنهج والهدف الصحيح.


ولا ننس ما يصنعه الإعلام وتمكر به أجهزته،، وهي بحق معاول الهدم المترصدة لكل لبنة تُبنى على أرض المسلمين، التي تعمل ليل نهار لقتل أو هدم كل ما من شأنه ينبئ بنهوض أو صعود أو انتشار أو تطور أو ابتكار، وبعضها يستخدم الإسلام نفسه لمحاولة هدم حياة المسلمين وتغيير المفاهيم الإسلامية.


ولا ننس الأوضاع الاقتصادية المتردية التي يعاني منها المسلمون اليوم، فكما هي دافع للثورة والنهوض والإنكار، فهي موطن لكيد العدو الذكي وأفكار الإصلاحات الاقتصادية وأنصاف الحلول التي تقتل الثورات وتحرفها عن مسارها.


وأخيراً وليس بآخرِ ما تعاني منه الشعوب الإسلامية العربية من الجهل السياسي العميق، والجهل بحقيقة المبادئ المختلفة في العالم بعقائدها، وما تنتجه من أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية، ومن أفكار وأعمال وتحركات سياسية مقارنة بما عليهم كمسلمين المطالبة به.


بهذا الحمل الثقيل العظيم انطلقت الثورات العربية،، فبالرغم من التباين الفكري والشعوبي الذي يحمله المسلمون أفراداً ومجتمعات، في المشرق والمغرب، وبالرغم من كل ما يلف هذه الشعوب من اختلافات وموروث كريه في العلاقات والروابط، وبالرغم من كل الإساءات التربوية التي مورست في حقهم، من الأعداء ومن الحكام ومن زبانيتهم وأجهزتهم، وبالرغم من الانحراف الفكري الذي مارسته الأحزاب السياسية الكفرية اشتراكية كانت أو علمانية أو وطنية أو قومية في المجتمعات، وبالرغم من تغريب هوية الشعوب الإسلامية والعبث بلغتهم العربية، وبالرغم من كل ما ذكرنا من ترصد الأعداء لها وتحت غيظهم وحقدهم ومكرهم وترصدهم العسكري والإعلامي والاستخباراتي فقد انطلقت الثورات الإسلامية العربية على غير موعد، انطلاقة جماعية عشوائية، لا تدفعها إلا مشاعرها بالغبن والظلم والجوع والقهر، وتدنيس كرامتها وعزتها، وشعورها بالإهانة لمجدها وتاريخها العظيم وعزها الذي صنعه لها إسلامها.


أي أن القاعدة التي انطلقت منها الثورات كانت للأسف قاعدة مشاعرية ولم تكن انطلاقتها تستند إلى قاعدة عقائدية فكرية، بالرغم من أن العقيدة الإسلامية هي المادة التي صنعت منها أجساد وأرواح الثائرين المسلمين.


أي أن هذا الانطلاق الثوري لم يكن بسبب أن الحاكم حكم بغير ما أنزل الله، أو أسقط حكماً واحداً من أحكام الله أو عطل آخر، ولم يكن الانطلاق ناتجاً عن محاسبة الحاكم الشرعي بمخالفته ما انعقدت عليه البيعة مع الناس، بل ليس هناك تصور عن مسائل كهذه أو شبيهها، بل ليس هناك معرفة عامة عند عموم الناس عن مسألة السلطان والسيادة والفرق بينهما في الإسلام أو في غيره، ناهيك عن ما عُلم من الدين بالضرورة في مفهوم "دار الإسلام ودار الكفر".


ولذلك أخذت الثورات منحى شاملاً ومطلباً عاماً غير محدد ولا مخصوص، هذا المنحى هو إسقاط النظام وكل شيء مع النظام، وإسقاط الصانع للنظام ولقوّاده، المحتكرين للسلطان والسيادة في آن واحد، دون التوجه إلى مطلب معلوم ومدروس.


إن الأصل في الإسلام أن يكون السلطان للأمة، وأن تكون السيادة لله وحده، لا يشاركه سبحانه وتعالى في الحكم أحد، وهذا ما يوفره نظام الإسلام، وتوفره دولة الخلافة كنظام حكم سياسي لا يعرف المسلمون غيره ولا يستطيعون العيش بدونه، وهذا ما بدأ الناس وبدأت الثورات تحس به وتدركه وتتحول إليه، فالثورات أتاحت الفرصة للجميع أن يتحدثوا ويناقشوا ويبحثوا علناً ومع غيرهم أحوالهم وهمومهم، ويناقشوا مشاكلهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم، وانفتحت بالثورات آفاق وآفاق وسبل وشبكات واسعة من النقاشات والمجادلات وتبادل المعلومات بين المسلمين الثوار وغير الثوار.


لذا فإن الثورات لا يتم نصرها وفتحها بإسقاط النظام والحاكم هذا أو ذاك، وإنما نصرها يتم إن شاء الله بالتحول إلى مطالبها الحقيقية التي توافق عقيدتها وروحها الإسلامية وما تحب، وهو الإسلام لا غيره، ولذلك فإن الثورات كما قلنا لن تقف ولم تقف بإسقاط الحكام هنا أو هناك، بل هي لن تقف حتى يتحقق أمر الله ووعده.


إن عدونا الكافر المتربص بأعوانه وأنصاره ومن يعمل معه يدرك جيداً تحول شعوب المسلمين إلى المطلب الحقيقي وإلى حكم الإسلام ودولة الخلافة، ويدرك كذلك الواقع الحالي الفوضوي الذي تعاني منه الشعوب الثائرة التي مررنا على ذكرها، لذا فلم يتبق لهؤلاء الأعداء إلا أن يصطادوا في الماء العكر، ويقفوا حائلاً يحول بين الناس ومطالبهم، ويعملوا لأمر واحد فقط بقي أمامهم لا غيره وهو إحراف مسار الثورات.


سيكون موضوع حلقتنا القادمة هو عن أساليب الأعداء المتبعة في إحراف مسار الثورات الإسلامية العربية القائمة اليوم، إن شاء الله.


قال الله تعالى في سورة آل عمران 28

{لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ }

وقال تعالى في سورة الروم 33

{وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}