مقدمة لابد منها

هل يعلم المسلم لماذا يواصل المسلمون تخلفهم ، ولماذا يزداد تفرقهم ، ولماذا يزداد بعدهم عن الإسلام، والإسلام بين أيديهم ؟؟؟
إن كنت ممن يحب الله ورسوله والإسلام بقلب طاهر سليم فستجد ضالتك في هذه السلسلة، وإن كنت تبحث عن الإسلام ولا تجده، فستجده في هذه السلسلة إن شاء الله، وإن كنت تريد نهضة الإسلام والمسلمين، ولكن لا تعرف كيف تتم، فابدأ بنفسك وتابع هذه السلسلة بشيء من الإهتمام، وإن كنت تريد أن تؤدي حق الله عليك في طلب العلم الشرعي والعمل بالإسلام والدعوة للإسلام فستعطيك هذه السلسلة
حاجتك إن شاء الله إن تابعتها بإخلاص


يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً }الكهف57

الحلقة الأولى - شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله

هَلْ مَا دَرَسْنَاهُ ودرسَه الناسُ اليومَ فِيْ الْمَدَارِسِ ويدرسونَه؟ وهل الْعِلْمُ وَالْفِكْرُ الَّذِيْ تَلَقَّيْنَاهُ ويتلقاه الناسُ اليوم عن الإسلام، وَالَّذِيْ نُقِلَ إِلَىَ الأجيال الْحَاضِرَةِ هُوَ الإسْلَامُ الْحَقِيقَي الَّذِيْ نَزَلَ عَلَىَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أي هل الإسلامُ الذي نراه اليومَ بين أيدينا هو الإسلامُ الذي أنزله الله على سيدنا محمد؟ وهل الحياةُ التي يعيشُها المسلمون اليومَ هي الحياة الإسلامية التي ارتضاها الله للمؤمنين والمسلمين أن يَحيَوها؟ وهل الذلُّ والمهانة والخضوعُ والتخلفُ الذي يعيشه المسلمون اليومَ هو نتيجة للإسلام الذي كُلّفنا بحمله، أمَ الذي نحمله اليومَ يحملُ نفسَ اسم الإسلام، ولكنه ليس الإسلامُ الذي أنزله الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟

في الواقع يَظُنُّ كَثِيْرٌ مِنَ المسلمين وغيرُ المسلمين وحديثو العهد بالإسلامِ أَنَّ العلمَ الذي تَلَقَّيْنَاهُ فِيْ الْمَدَارِسِ عن الإسلام، وَالْفِكْرَ الَّذِيْ يَتَنَاقَلُهُ الْمُسْلِمُوْنَ فِيْمَا بَيْنَهُمْ، وَالْعِلْمَ الَّذِيْ يَصِلُنَا مِنْ عُلَمَاءِ الْسُّوْءِ، وَالْوَاقِعَ الَّذِيْ نَعِيْشُهُ الْيَوْمَ، أَنَّ ذَلِكَ كُلَه يُمَثِّلُ صُوْرَةَ الإسْلَامِ الَّذِيْ نَزَلَ عَلَىَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصورةَ الحياة الإسلامية، وَفِيْ الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ الْوَاقِعَ غَيْرُ ذَلِكَ تَمَاما، فَمَا دَرَسْنَاهُ اليومَ وَمَا يُدْرُسُهُ أَبْنَاؤُنَا فِيْ الْمَدَارِسِ وَالْجَامِعَاتِ وَغَيْرِهَا، وَمَا يَتَحَصَّلُهُ الْمُسْلِمُوْنَ من العلم عن الإسلام، وما يَرَوْنَهُ مِنْ الإسلام هُوَ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْإِسْلَامَ في بعض أحكامه، بل إنه ليس هو الإسلام، وَلَيْسَ مِنْ الإسلام فِيْ شَيْءٍ، لا بِأُصُوْلِهِ ولا بِفُرُوْعِهِ، ولا بِحَقِيْقَةِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيه، ولا بِكَيْفِيَّةِ الْعَيْشِ بِه، فَكَيْفَ حَصَلَ ذَلِكَ؟

إِنَّ الْمَوَادَّ الْتَّعْلِيْمِيَّةَ فِيْ الْمَدَارِسِ كافة، مِنْ علوم عن الفِقْهِ وَالحَدِيْثِ وَالتَوْحِيْدِ وَالقُرْآَنٍ الكَرِيْمٍ، هِيَ مُجَرَّدُ ثَقَافَةٍ ومعلومات، يَسْتَطِيْعُ الْمُسْلِمُ، بَلْ حَتَّىَ الْكَافِرُ أَنَّ يَتَعَلَّمَهَا، وأن يَحْفَظَهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، دُوْنَ أَنْ تُؤَثِرَ فِيْهِ مِثْقَالَ شَعْرَةٍ، لأن الأصْلَ فِيْ دَرْسِ الإسْلامِ وَتَعَلّمِهِ عِدَّة مَسَائِلَ مُهِمَّةٍ وَخَطِيْرَةً، وَهِيَ الَّتِي تَصْنَعُ الْشَّخْصِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّة بالإسلام الْحَقِيقَيِّ الَّذِيْ نَزَلَ عَلَىَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَأَتَمُّ الْتَّسْلِيمِ.

ولنبدأ بالأصلِ الذي يكونُ المسلمُ به مسلماً، ويُدخلُه في دائرة الإسلامِ والمسلمين، هذا الأصل هو الشهادتان، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، حيث أن الدُّخُوْلَ فِيْ الإسلام لا يكونُ إلا بهاتين الشهادتين، وذلك بتَعَلُمِهِمَا ودَرْسِهِما وَفَهْمِهِمَا، والقبولِ بهما، أي بتَبَنّيهما، ثُمَّ الْعَمَلُ بما جاءتا، والعملُ عَلَىَ تَحْقِيْقِ مُقْتَضِيَاتِهِما فِيْ وَاقِعِ الْحَيَاةِ، وَهَذَا لا يَتِمُّ إلا عِنَدَمَا يؤمن الإنْسَانُ بِعَقْلِهِ بِوُجُوْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن هذا القرآن منزلٌ من عند الله، وأن محمدَ بن عبد الله نبيُّ الله ورسولُه، ثُمَّ يُؤَمِنُ بِمَا وَرَدَ فِيْ الْشَّهَادَتَيْنِ بِأَنَّ الْعُبُوْدِيَّةَ أَيُّ الإتّباعَ وَالْحَاكِمِيَّةَ، أَيْ الأمر وَالْنَّهْيَ أنهُمَا لِلَّهِ وَحْدَهُ،َ لَيْسَتْ لأيِّ مَلكٍ أَوْ حَاكِمٍ أَوْ رَئِيْسِ أَوْ بَرْلَمَانٍ، أو لأيِّ نظامٍ من أنظمة الدنيا.

من الطَبِيْعِيِّ أَنَّ هَذِهِ الْفِكْرَةَ بِهَذَا الْتَّفْسِيْرِ الْصَّحِيْحِ لا تَرُوْقُ لِمَلِكٍ ولا لِحَاكِمٍ، ولا لأمْرِيكَا أَوْ أُوْرُوبَّا أو للشرق أو للغرب من المستعمرين والمحتلين لبلاد المسلمين، لأن هَذِهِ الفِكْرِةَ هِيَ الْفِكْرَةُ الْصَّحِيْحَة لِلشَهَادَتَينَ وهي تحمل في طياتها ثورةً تحررية عظيمة للإنسان، وتمرداً ضد كل ظلم وقهر وعبودية وفقر وذل وهوان، وفيهما تحرر من كل سيد على الأرض سوا الله سبحانه وتعالى، فَلِذَلِكَ فإن الشهادتين بواقعهما هذا التحرري لا تُدَرّسُا اليوم فِيْ الْمَدَارِسِ بحقيقتهما على الإطلاق، بَلْ تُدرّسا مشوهةً وتُحْفظ مُجَرَّدَةً مِنْ أَيِّ مَعْنَىً وَفَهِمَ، لأنهَما لَوْ دُرِّسَتَا بِهذه الْكَيْفِيَّةِ الْصَّحِيْحَةِ، وَدُرِّسَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَىَ الإقرار بِهِمَا مِنْ تَبْنِي وَمِنْ عَمَل، لأدَّى ذَلِكَ لأنْ يَكْفُرَ الْنَّاسُ بِالْحَاكِمِ وَبِالنّظَامِ الَّذِيْ يُطَبِّقُهُ عَلَيْهِمْ، وَلدَعَاهُمْ ذَلِكَ لِلْخُرُوْجِ عَلَيْهِ، لِمُخَالَفَة الحاكمِ تطبيقَ شرع الله ومخالفتِه مَا تَقْتَضِيْهِ الْشَّهَادَتَانُ مِنْ تَكَالِيْفَ وَأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ وَأَحْكَامٍ وَنُظُمِ، ولدعاهم للثورة ضد أعداء الإسلام والمسلمين والمغتصبين.

وَمِنْ هُنَا يَبْدَأُ الْخَلَلُ فِيْ بِنَاءِ الْشَّخْصِيَّةِ، فَبَدلاً مِنْ أَنْ تُصْبِحَ شَخْصِيَّةٌ الْمُسْلِمِ شخصية إِسْلامِيَّةً، تُصْبِحُ شَخْصِيَّةٌ مُسْلِمَةً بِالْهُوِيَّةِ فَقَطْ، وَيُصْبِحُ الْنَّاسُ "بِدُوْنِ عِلْم" يُؤْمِنُوْنَ بِشَيْءٍ غَيْرَ الَّذِيْ شَهِدُوْا لَهُ بالإلوهية وَهُوَ الْلَّهُ، وَيُؤْمِنُوْنَ فعليَّا بِغَيْرِ الْرِّسَالَةِ الَّتِيْ نَزَلَتْ عَلَىَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحقيقة فكرتها، وحقيقة العمل والحياة بها.

فَالإِلَهُ كَمَا ذَكَرْنَا هُوَ الْمَعْبُوْدُ الْمُطَاعُ الْمُتَّبَع، والشهادتان تطلبان ممن يشهدُ بهما أن لا يكون إلا الله هو وحده الإله، ولا يُقرُّ بالإلوهية لغيره، أي لا يُشرَك معه شيءٌ من الخلق أو الأنظمة أو القوانين، فيكون اللهُ هو السيدُ الآمرُ الناهي المشرّع المعبود المطاع،، وَرِسَالَةُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَكُوْنُ الإِيْمَانُ بِهَا إِلَا إِذَا كَانَ لَهَا وَاقِعَا عَمَلِيّا، أَيْ تُطَبَّقُ فِي وَاقِعِ الْحَيَاةِ،، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذلك، لَمْ يشْهِدْ الْنَاسُ أَنَّ لا إِلَهَ إلا الْلَّهُ، وَلم يشهدوا أَنَّ مُحَمَّدا رَسُوْلُ الْلَّهِ.

قَالَ الْلَّهُ تَعَالَىْ فِيْ سُوْرَةِ الأنْعَامِ 19

قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً، قُلِ الْلَّهُ شَهِيْدٌ بِيْنِيْ وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُوْنَ أَنَّ مَعَ الْلَّهِ آَلِهَةً أُخْرَىَ، قُلْ لا أَشْهَدُ، قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِيْ بَرِيْءٌ مِّمَّا تُشْرِكُوْنَ.

الحلقة السابعة والخمسون - الثورات العربية - الجزء السادس : الأساليب المتبعة لإحراف مسار الثورات الإسلامية العربية


لقد اتحدت كل القوى الداخلية الأمنية بكافة أنواعها في الدول العربية، وبالتعاون فيما بينها دولياً على استعباد الشعوب العربية والإسلامية بقوة الجندي وصرامة القانون، استكمالاً للتحريف الفكري المفروض عليها، لا ترحم في ذلك كبيراً أو صغيراً أو عائلاً وفقيراً، أو ترحم الناس بتحقيق وتوفير حاجاتهم المدنية والمعيشية والإنتاجية، فلا رحمة في أي شيء من شأنه يُكرم الناس ويُهنِئُهم بعيش بسيط أو مترف، بل أهانوا الناس بعيش كريه.

فكانت القوى الأمنية إلى مرحلة قريبة قد أمّنت هي والجيش حاكمَها من مكر الشعوب والنهضويين، وباتت آمنة في ثكناتها، فقد أمّنت كل ما من شأنه يهدد ثوب الحاكم، أو يهدد حشرة واحدة في حديقة منزله، حتى ولو قتلوا الشعب بأكمله، أي أن هناك طابور طويل من المؤسسات الأمنية قد أعدت ليوم قد يحصل بعد ألف عام كما يتصورون.

ولكن أمرَ الله قد نزل وبُهت الذين كفروا، فقاموا يقتلون الناس قتلاً ذا ضغينة وحقد وإجرام غير معهود بين حاكم ومحكومين حصل في التاريخ، وخاصة أن الحاكم قد أشرك معه مجرمين كثر في النهب والسلب واستعباد الناس وقهرهم، فكانت الثورات شيئاً غير معهود ولا متوقع، لم يكن عندهم لها تصور من ناحية عزيمتها ودأبها وقرارها الصارم للتحرر، وتصور لمستوى التضحية الذي سيقدمه الناس أجمعين في سبيل هذا التحرر من العبودية التي ضربت عليهم.

في الحقيقة لم يكن الإعداد ضد هذه الثورات الجامحة بصفتها الحالية كافياً عند الحكومات التي سقطت، ولم يكن الإعداد لها مؤهلاً ليوقفها أو يئدها في مهدها، لذا لم يتبقّ من حظيرة الدول التي سقط حاكمُها إلا رجالَ الاستعمار وأولياءهم المجرمين ممن لم تنكشف أوراقهم بعد، وممن لم يُسجل عليهم إجراماً صريحا في حق الشعب، أو رجالاً ممن أدركوا إخفاء وثائق تُدِينُهم، فقام بعض الوزراء أو رجال الجيش أو الأجهزة الأمنية أو علماء السوء السابقين، أو ممن كان ينتمي إلى مؤسسات سياسية أو وزارات بإبداء تعاطفهم مع الثورة نفاقاً، فانحازوا إلى الثورة تدبيراً ومكراً، حتى يبقوا في السلطة الجديدة ويحافظوا على مصالحِهم ويديروا دفة الدولة الجديدة بما يتوافق مع أجندة قادمة معلومة أو مجهولة أو متوقعة.

وهذا ما حصل في مصر وليبيا وتونس واليمن، ففي مصر ذهب مبارك وبقيت العصابات الداعمة للنظام البائد والمنتفعين منهم كما هي، وأعطيت سلطة وصلاحيات قيادية وإدارية لحلفاء مبارك السابقين من الأخوان المسلمين، الذين أقسموا لأمريكا أن تبقى أمور المعاهدات الدولية وخطط السلام المزعوم ومصالح أمريكا في المنطقة كما هي، لا يمسونها ولا يتعرضون لها بسوء، وأقسموا لأمريكا بالدولة المدنية وبالسماح للأحزاب العلمانية والاشتراكية الكفرية تمارس نشاطاتها وتحافظ على سيادتها ومشاركتها في الحكم، فأصبحت مصر تُحكم بالكفر كما هي، بالإسلام المزعوم، وباتت أمريكا قريرة العين بعدما كانت قد شعرت أنه أسقط في يدها.

أما تونس فهي كمصر انحرف مسار ثورتها بما يسمون أنفسهم إسلاميين من حزب النهضة التونسي وباتت تُحكم بالكفر بإسلام مزعوم، وقد أقسم الغنوشي ورجاله ونساء حزبه العاريات، أقسموا للغرب بالسير قدما في تونس حرة من الدين الإسلامي وحكم الشريعة الإسلامية، فباتت أمريكا وأوروبا قريرة الأعين ببصمة شواطئ العري المفتوحة في تونس الإسلامية.

أما ليبيا فقد كانت مسرحية في غاية الإثارة والتشويق، التي كان بطلها مصطفى عبد الجليل (وزير العدل القذفي السابق)، فقد تحولت بطولات الشعب الليبي العظيم ودماؤه ألعوبة في يده، فأعطى ثمرتها لبريطانيا وفرنسا وللحلف الأطلسي، الذي كان مخلصاً أيما إخلاص للشعب الليبي البطل الذي خدمه خدمة فائقة النظير، فباتت أوروبا قريرة العين تصلها دماء وأموال الشعب الليبي كمن قبل، لم يتغير عليها شيء، وما زال مصطفى عبد الجليل ورجاله قائمين يواصلون أعمالهم لسحب الأسلحة من يد المقاتلين ليعودوا (بسلامتهم) كالنعاج لا يملكون ما يتحدثون به، فإن لم يفعلوا فستضطر أوروبا (آسفة) لتسليط أوليائها من التشاديين ومن تونس ومصر ليمزقوا ليبيا (مزقهم الله)، مع الحفاظ بالطبع على البترول الليبي والمواقع الإستراتيجية والثروات كما هي تنزف وتصب في بلدانهم، والحفاظ على ليبيا سوقا استهلاكية لمنتجاتهم.

أما اليمن فهي نار على علم في وضوح التآمر عليها من أمريكا ومن أوليائها من الدول المجاورة، التآمر على ثورتها والسعي لوأد ثورتها، وكما نرى كيف ذهب علي عبد الله صالح بكل غطرسة وكبرياء وعنجهية ليضع مكانه مائة علي عبد الله صالح، يواصلون السير قدماً في السيطرة على اليمن الحبيب، وعدم تسليمها للشعب (العدو) الذي يطالب بإقامة الخلافة الإسلامية الموعودة، وتطبيق شرع الله.

وهكذا قد نقول أن الثورة في اليمن لم يتم لها أن تخطو خطوة واحدة للأمام بعد، وما زالت أمريكا تفدي الطغمة الحاكمة بعيونها، فليس هناك رجال سياسيون قد يرتضيهم الشعب اليمني فيدفعونهم لهم ويعرفون كيف يلتفون على الثورة اليمنية ويطفئون نار غضبها، فالغرب يخاف أن يكون اليمن بوابة تنطلق منها الثورة لدرة عينها ودرة عين العالم الغربي "السعودية"، ناهيك عن شبح الخلافة والدعوة إليها التي شاعت في اليمن، واستعداد اليمنيين للتضحية من أجل عودتها، وموقع اليمن الإستراتيجي، وشعبها الأبي.

لذا فقد كانت سياسة الاحتواء للثورات هي العمل السياسي الغير مُكلف، وهي فن يجيده بامتياز العالم الغربي في حق الشعوب التي كانت مغيبة تماماً عن السياسة والأعمال السياسية والفكر النهضوي. وليس غريباً فقد كان لها إلى الآن ما تريد، فهي تمسك بزمام الحل والعقد في اليمن وغيرها من الأقطار الإسلامية المقسمة والمحتلة احتلالا عسكرياً وسياسياً واحتلالاً بارداً.

فقد كان من سياسات الاحتواء من ضمن ما ذكرنا تكوين واستحداث المجالس الانتقالية والمجالس الوطنية وغيرها، واستقطاب الشخصيات المعارضة السياسية العلمانية المشهورة أو المشتهرة حديثاً وإعطاءهم الميكرفون وتسليط الأضواء عليهم ليحلوا محل الحاكم الذي قد احترقت أوراقه في معاييرهم السياسية.

أو كما لفتنا النظر إلى الجماعات الإسلامية! التي أقسمت للغرب استعدادها لأن تتحالف مع الغرب وتضاجعه وتبني معه الأسرة الواحدة، بعد أن كان الغرب آنفاً يودعهم السجون لمجرد أسمائهم الإسلامية. ولكن وبعد أن رأى الغرب فيهم اليوم حليفاً استراتيجيا خيراً من غيرهم، حليفاً يرضي عامة الناس ومشاعرهم والشعوب الجاهلة سياسياً، عمد الغرب وعلى رأسهم أمريكا أن تجلس معهم على طاولة واحدة وتنام معهم في سرير واحد. فهم بلا شك الورقة الرابحة اليوم لاحتواء الثورات وخاصة في مصر.

وقد استخدم الغرب بكثافة شديدة ألفاظاً يسيل لها لعاب الجاهلين بالسياسة من الشعوب المسكينة، لتقنعهم أنهم في أفضل الطرق بثوراتهم ليصبحوا ناهضين مدنياً وصناعياً كالغرب إذا ما طبقوا الديمقراطية وجعلوها مطلباً حقيقياً لهم. إذن فقد كانت وما زالت المطالب وتوجيهها هي السلاح الذي تلعب به الدول الغربية اليوم لاحتواء الثورات وإحراف مسارها، وهكذا جند الغرب جنودهم الإعلاميين بكثافة لغسل أدمغة الثوار ليجعل الثوار الديمقراطية والدولة المدنية مطلباً حقيقياً لهم في سبيل التحرر من العبودية.

ولقد ساعدهم في مسعاهم هذا جهل الناس والشعوب الثائرة بعقيدتهم ودينهم الإسلامي وشريعة الإسلام وغير ذلك مما بيناه بالتفصيل في الحلقة السابقة.

أما عن الأعمال السياسية التي تتسم بالكذب والخداع الأمريكي بشكل خاص والغربي بشكل عام بمناصرة الثورات وبحقهم الطبيعي في الثورة والاحتجاج فحدث ولا حرج، وما يقابل هذه المواقف الكاذبة المخادعة من دعم وتأييد للحكام القائمين بالسلاح والمال والاستشارات الاستخباراتية وأجهزة قمع المظاهرات وأدواتها وبالمرتزقة القتلة المحاربين هنا وهناك (شبيحة وبلطجية وغيرهم) ودعمهم بكل ما يلزم لقتل هذه الشعوب المجنونة!.

الغرض من هذه الأعمال السياسية المخادعة هو كسر إرادة الناس الثائرين لجعل مطالبهم أن تكون الأدنى بدلاً من أن تكون مطالب عليا نهضوية، وإرغامهم وقهرهم على أن تقتصر مطالبهم تدور فقط حول الخلاص من هذا الحاكم أو ذاك، وقد رأينا ذلك جلياً في المطالب التي طرحها الناس الذين تنزل عليهم نيران الغضب بدون شفقة ولا رحمة في سوريا وليبيا وهم يستنجدون بمجلس الأمن والأمم المتحدة وقوات الناتو أن يعينوهم ليرفعوا عنهم العذاب، فسبحان الله كيف يستنجد الأرانب بالذئاب، وكيف يستنجد المقهور بجلاده.

لقد رأى الغرب في هذه الأعمال السياسية والقمعية الإجرامية عن طريق عميلهم الحاكم نجاحاً باهراً في كسر إرادة الشعوب الإسلامية العربية وتوجيههم لجلادهم الأصلي عساه أن ينقذهم من الحاكم (عميلهم) ليرفع غضبه عنهم، ورأوا نجاحاً سياسياً فذاً في صرف الشعوب الإسلامية الثائرة عن المطالبة بحكم الإسلام، وصرفهم عن فكرة أن تكون السيادة لله وحده عليهم، وأن يكون السلطان (قوتهم وإرادتهم وحق تقرير حياتهم ومصيرهم) بأيديهم.

وما زال الغرب يحقق نجاحاتٍ وانتصارات لغرض إحراف مسار الثورات، ولكن وبالرغم أنهم ما زالوا في غيهم، قامت الأمة الإسلامية تتوجه نحو نهضتها وتتنوّر عقولها بقوة، فالأمة الإسلامية بفضل الله تعالى وكرمه، وبما أريد لها من أن تكون في خير دائم ومنار للخير فقد انطلقت انطلاقة عظيمة تمدها في ذلك عقيدة الإسلام، لتزداد وعياً ودراية بأعدائها الغربيين والشرقيين الكفرة ووعيا ودراية بأنواع أعدائها المحليين وألوانهم، وتزداد وعياً بالمطالب التي يجب أن تضعها لنفسها، وتزداد وعياً كذلك بأبنائها ورجالها وفقهائها المخلصين الصادقين، وبالهدف الذي يجب أن تضعه نصب عينيها في طريق نهضتها وثوراتها.

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال36

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة32

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ

وقال الله سبحانه وتعالى في سورة النور21

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

الحلقة السادسة والخمسون - الثورات العربية - الجزء الخامس : إحراف مسار الثورات الإسلامية العربية

لقد أربكت الثورات الإسلامية العربية كل القوى العالمية، وأربكت كل شياطين الجن والإنس في الداخل والخارج، وأربكت كل الحكام العرب من الدول المجاورة والبعيدة، وأربكت حكام الاستعمار، أربكتهم كلهم، فهم جميعهم سادة وتابعين حلفاء وأصدقاء وأولياء الحظيرة الواحدة.


إن هاجس الإسلام والدولة الإسلامية، وحقيقة وجودها سابقاً واحتمال عودتها مازال ماثلاً في أذهان الغرب والشرق، وما زال يقلقهم ويؤرقهم، بالرغم من سقوطها على أيديهم، وبالتالي فإن الكافر المستعمر هو أكثر من يحس بالدولة الإسلامية اليوم، ويعرف أهميتها وقيمتها، ويدرك قوتها وعدلها، ويهاب كارثة عودتها في السيطرة على العالم أجمع، وقطع الطريق على الاستعمار واللصوص والمجرمين، وهو الذي يحس بالدولة الإسلامية أكثر من المسلمين أنفسهم، فكما بيّنّا من قبل كيف قد نجح الغرب وأولياؤه من حكام وعلماء السوء في البلاد الإسلامية والعربية من محو حقيقة دولة الخلافة من عقول المسلمين وأفئدتهم، ومن أهمية وجودها المصيري لحياتهم ومماتهم، ونجحوا في تشويه صورتها في أذهانهم، وغيبوا ذكراها عنهم وعن الأجيال الحاضرة، وكيف غُيبوا عنهم حتى إمكانية أو احتمال عودتها، وكادوا يلغون جعلها مطلباً للمسلمين.


ومن ألوان هذا العبث بالأمة الإسلامية ما تم نشره وإطلاقه في العالم الإسلامي من أحزاب علمانية واشتراكية وشيوعية، وأعانوا على نشر أفكارها ومطالباتها، وتطبيق بعض أفكارها، وتدريسها بشكل جماعي وشعبي، كما حصل ذلك في العراق وحضرموت وبلاد الشام وغيرهم، وقد نجحوا بالفعل تلويث عقول جيل كامل من جيل الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي من المسلمين.


ولا ننس ما تم العمل عليه بقوة، باستخدام الإسلام لمحاربة الإسلام، بنشر أفكار (إسلامية!) محرفة، في إطار ما يسمى بالإسلام الوسطي، أو في إطار أطياف من الأفكار الصوفية ممن ليست من الإسلام في شيء، أو نشر حركات دعوية، مدعومة بمبالغ طائلة، للدعوة إلى الأخلاق والشعائر التعبدية، على أساس أن هذه الأفكار هي السبيل "بزعمهم" إلى الوصول إلى عالم إسلامي مثالي رومانسي، يجعل من المسلمين ملائكة مسالمين ومستسلمين في حظائر الاستعمار ومراتعه.


ولا ننس كذلك ما آل إليه واقع المسلمين من تفرقة بين المذاهب الفقهية الإسلامية، وعلى رأسها المذاهب السنية والمذاهب الشيعية، وقيام الدول بتبني مذهبٍ ما، وتكفير وقتال المسلمين الآخرين به من المذاهب الأخرى من الدول المجاورة، واستخدام هذا الأمر من الحكام لصناعة آلةٍ للكره والكراهية بين الشعوب في خدمة تفريقهم، واستخدامهم في الأعمال السياسية والقتالية ووقت الأزمات.


ولا ننس في إطار العبث بالأمة الإسلامية ما عكسته الدعاوى الوطنية والقومية على الشعوب ومواقفهم ووحدة فكرهم، فهذا مصري متعصب، وذاك عراقي متفاخر، وذاك حجازي أو نجدي أو خليجي متكبر، وهذا تونسي، وذاك ليبي أو يمني، كل ذلك ألقى بظلاله على الشعوب بأنانيتها وتفردها بهمومها واهتماماتها، بعد أن كان شعور الانتماء والفخر عند المسلمين عظيماً وقوياً في اتجاه أن أمتهم أمة واحدة، ومطلبهم واحد، ولا يعرفون حدودا بين هذا أو ذاك، غير شعور الانتماء إلى كل بلاد المسلمين أينما كانوا وأينما حلّوا.


ولا ننس التجارب التي قامت بها أكثر الحركات الإسلامية الغير منهجية بين الناس بين انتهازي ومتحمس وقتالي وصادق وجاهل،، هذه الحركات تسببت حقيقة في تشويه صورة العمل الإسلامي والإسلام عند الشعوب الإسلامية العربية وغير العربية، ناهيك عن منهجية التعصب والحزبية مما يعاني منه بعضها، هذا وذاك خلق نفوراً للناس من الأحزاب والجماعات الإسلامية، ونفوراً من مناهجها، حتى ولو بدا على إحدى الحركات أو الجماعات أو الأحزاب الصدق والمنهج والهدف الصحيح.


ولا ننس ما يصنعه الإعلام وتمكر به أجهزته،، وهي بحق معاول الهدم المترصدة لكل لبنة تُبنى على أرض المسلمين، التي تعمل ليل نهار لقتل أو هدم كل ما من شأنه ينبئ بنهوض أو صعود أو انتشار أو تطور أو ابتكار، وبعضها يستخدم الإسلام نفسه لمحاولة هدم حياة المسلمين وتغيير المفاهيم الإسلامية.


ولا ننس الأوضاع الاقتصادية المتردية التي يعاني منها المسلمون اليوم، فكما هي دافع للثورة والنهوض والإنكار، فهي موطن لكيد العدو الذكي وأفكار الإصلاحات الاقتصادية وأنصاف الحلول التي تقتل الثورات وتحرفها عن مسارها.


وأخيراً وليس بآخرِ ما تعاني منه الشعوب الإسلامية العربية من الجهل السياسي العميق، والجهل بحقيقة المبادئ المختلفة في العالم بعقائدها، وما تنتجه من أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية، ومن أفكار وأعمال وتحركات سياسية مقارنة بما عليهم كمسلمين المطالبة به.


بهذا الحمل الثقيل العظيم انطلقت الثورات العربية،، فبالرغم من التباين الفكري والشعوبي الذي يحمله المسلمون أفراداً ومجتمعات، في المشرق والمغرب، وبالرغم من كل ما يلف هذه الشعوب من اختلافات وموروث كريه في العلاقات والروابط، وبالرغم من كل الإساءات التربوية التي مورست في حقهم، من الأعداء ومن الحكام ومن زبانيتهم وأجهزتهم، وبالرغم من الانحراف الفكري الذي مارسته الأحزاب السياسية الكفرية اشتراكية كانت أو علمانية أو وطنية أو قومية في المجتمعات، وبالرغم من تغريب هوية الشعوب الإسلامية والعبث بلغتهم العربية، وبالرغم من كل ما ذكرنا من ترصد الأعداء لها وتحت غيظهم وحقدهم ومكرهم وترصدهم العسكري والإعلامي والاستخباراتي فقد انطلقت الثورات الإسلامية العربية على غير موعد، انطلاقة جماعية عشوائية، لا تدفعها إلا مشاعرها بالغبن والظلم والجوع والقهر، وتدنيس كرامتها وعزتها، وشعورها بالإهانة لمجدها وتاريخها العظيم وعزها الذي صنعه لها إسلامها.


أي أن القاعدة التي انطلقت منها الثورات كانت للأسف قاعدة مشاعرية ولم تكن انطلاقتها تستند إلى قاعدة عقائدية فكرية، بالرغم من أن العقيدة الإسلامية هي المادة التي صنعت منها أجساد وأرواح الثائرين المسلمين.


أي أن هذا الانطلاق الثوري لم يكن بسبب أن الحاكم حكم بغير ما أنزل الله، أو أسقط حكماً واحداً من أحكام الله أو عطل آخر، ولم يكن الانطلاق ناتجاً عن محاسبة الحاكم الشرعي بمخالفته ما انعقدت عليه البيعة مع الناس، بل ليس هناك تصور عن مسائل كهذه أو شبيهها، بل ليس هناك معرفة عامة عند عموم الناس عن مسألة السلطان والسيادة والفرق بينهما في الإسلام أو في غيره، ناهيك عن ما عُلم من الدين بالضرورة في مفهوم "دار الإسلام ودار الكفر".


ولذلك أخذت الثورات منحى شاملاً ومطلباً عاماً غير محدد ولا مخصوص، هذا المنحى هو إسقاط النظام وكل شيء مع النظام، وإسقاط الصانع للنظام ولقوّاده، المحتكرين للسلطان والسيادة في آن واحد، دون التوجه إلى مطلب معلوم ومدروس.


إن الأصل في الإسلام أن يكون السلطان للأمة، وأن تكون السيادة لله وحده، لا يشاركه سبحانه وتعالى في الحكم أحد، وهذا ما يوفره نظام الإسلام، وتوفره دولة الخلافة كنظام حكم سياسي لا يعرف المسلمون غيره ولا يستطيعون العيش بدونه، وهذا ما بدأ الناس وبدأت الثورات تحس به وتدركه وتتحول إليه، فالثورات أتاحت الفرصة للجميع أن يتحدثوا ويناقشوا ويبحثوا علناً ومع غيرهم أحوالهم وهمومهم، ويناقشوا مشاكلهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم، وانفتحت بالثورات آفاق وآفاق وسبل وشبكات واسعة من النقاشات والمجادلات وتبادل المعلومات بين المسلمين الثوار وغير الثوار.


لذا فإن الثورات لا يتم نصرها وفتحها بإسقاط النظام والحاكم هذا أو ذاك، وإنما نصرها يتم إن شاء الله بالتحول إلى مطالبها الحقيقية التي توافق عقيدتها وروحها الإسلامية وما تحب، وهو الإسلام لا غيره، ولذلك فإن الثورات كما قلنا لن تقف ولم تقف بإسقاط الحكام هنا أو هناك، بل هي لن تقف حتى يتحقق أمر الله ووعده.


إن عدونا الكافر المتربص بأعوانه وأنصاره ومن يعمل معه يدرك جيداً تحول شعوب المسلمين إلى المطلب الحقيقي وإلى حكم الإسلام ودولة الخلافة، ويدرك كذلك الواقع الحالي الفوضوي الذي تعاني منه الشعوب الثائرة التي مررنا على ذكرها، لذا فلم يتبق لهؤلاء الأعداء إلا أن يصطادوا في الماء العكر، ويقفوا حائلاً يحول بين الناس ومطالبهم، ويعملوا لأمر واحد فقط بقي أمامهم لا غيره وهو إحراف مسار الثورات.


سيكون موضوع حلقتنا القادمة هو عن أساليب الأعداء المتبعة في إحراف مسار الثورات الإسلامية العربية القائمة اليوم، إن شاء الله.


قال الله تعالى في سورة آل عمران 28

{لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ }

وقال تعالى في سورة الروم 33

{وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}