‏إظهار الرسائل ذات التسميات حلقات السلسلة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حلقات السلسلة. إظهار كافة الرسائل

الحلقة الخمسون - سياسة الخوف والتخويف - الجزء الأول -



شعور الخوف أمر طبيعي، وهو من الفطرة التي خلقها الله تعالى في الإنسان، ورجْع غريزي لغريزة البقاء، وضروري لحماية الإنسان من غيره، ومن البيئة التي حوله، ومن تحديات كثيرة تواجهه، إذن فهو شعور محمود ولا غنى عنه، بل يقترن بهذا الشعور مشاعر أخرى مماثلة كشعور الوجل، وشعور الخشية، وهي أقل حدة عن شعور الخوف، تخدم نفس الهدف لحماية الإنسان ووقايته قبل الوقوع في الخوف المُربك، فتزيدُ برفق من حذره. 
بلوغ درجة الخوف أو تجاوزها عن الحد الذي وضعه الله في قلب الإنسان بمقداره الفطري اللطيف، يتسبب في إصابة الإنسان بروْعة مؤذية تقض مضجعه وتربك حاله فتصيبه بحيرة وقلق وتكون وبالاً عليه وشراً، أما إن زاد الخوف عن مقدار الروعة المريع وكان متواصلاً لا يكاد ينفك منه صاحبه، تصيب الإنسان عن وعي رهبة لا تكاد تتحملها نفسه، إلى درجة تجعله يُؤْثر أن ينقاد لمن أرهبه ويلبي مطالبه ويُسْلم إليه أمره، لأنه على هذه الحال لا يرى نفسه إلا وَهِناً ومهزوماً حتماً.

أما إذا أصاب الإنسان ما هو أكثر من الرهبة فإنه يفقد مشاعر الأمان ويفقد سيطرته على نفسه، وهذه حالة نسميها حالة الرعب، وهي حالة أشد وطأة على النفس من الرهبة وأكثر ألماً وقسوة، أما المرعوب فلا يرى لنفسه أماناً، حتى ولو كان في بيوت محصنة، لأن الرعب يدفعه إلى الهلع أو الفزع، وهي حالة تتغلب فيها نفسه على عقله، فتأخذ نفسه بزمام حركته دون عقله، وتتصرف بالإنسان دون إرادته، حتى ولو ساقته إلى الهلاك.

أما الذعر فهو أعلى درجات الخوف على الإطلاق وذروتها، وأكثرها ألماً وقسوة، وهي المرحلة التي يفقد الإنسان حقاً عندها عقله، وكأنه يرى الموت بعينيه، بل يراه حقاً وصدقاً، وهو حال للإنسان فظيع ومؤلم له ولمن يشاهده، وغالباً ما يدفعه إلى الانتحار أو إلى أي فعل جنوني قاتل يخلصه من هذا الشعور.

لذا فإن حالات الخوف التي وصفنا، هي في حقيقتها حالات قاسية وتدعو للشفقة على أصحابها، وكلما زاد شعور الإنسان بالخوف قيّد حركة الإنسان وعطل تفكيره، وكبّله وسجنه في داخل نفسه، وهو كالسلاسل والأغلال في الأعناق، فيصبح الإنسان مسجوناً فكرياً وعقلياً وإرادياً.

الخائف أو المرهوب أو المرعوب كما وصفنا لا يفكر إلا بالشيء الذي يغلب على ظنه أنه سينقذه ويشعره بالأمان في لحظته ومستقبله، حتى ولو كان على حساب عزته أو كرامته، أو على حساب دينه إن كان إيمانه ضعيفاً، ولذا من العبث أن تعرض على خائف مرهوب أو مرعوب فكراً أو علماً ينهضه ويرقى به أو يخلصه من البؤس الذي يعاني منه، فذلك سيتوعده ويشير إليه من قريب أو بعيد بالتصادم مع واقعه من أجهزة أمنية أو حكومة قائمة أو أفراد أو مجتمع، فيكون الذي عُرض عليه من علم أو فكر من الأمور التي تمقتها نفسه، وتكرهها وتبغضها بغضاً شديداً.

الخائف المرهوب أو المرعوب لا يعقل عادة، أو لا يريد أن يعقل إلا ما يراه مناسباً مع أمان نفسه، بل عندما يُخيّر الخائف بين ما يُطرح عليه من الأمور، يختار فقط المسائل ذات الجوانب الآمنة التي يطمئن إليها وتخدم أمانهُ، ويدع الجانب الذي يريبه مما يفسره عقله من واقع مخيف، حتى ولو كان ذاك الجانب صائباً، فلا يريد أو يفعل إلا ما يرى من الأفعال التي تسير به إلى أمانهِ الآني، حتى ولو ذل أو فَقُر.

الخائفون يلبسون نظاراتٍ سوداء لا تُريهم الأشياء والأمور على حقيقتها، فلذلك لا يرون البيئة بألوانها المختلفة والمتعددة إلا بلون واحد، فلذلك هم قليلو المتعة في الحياة.

الخائفون يرتابون من كل شيء، ويرتابون من كل إنسان يرونه، ويرتابون من أي حديث يسمعونه يخص أمنهم، أو حتى لا يمس أمنهم، بموقف فائق الحذر على مقياس (قد يمس أمننا ونحن لا نعرف).

الخائفون عدوهم الإقدام، بل غريمهم الجرأة والتحدي والمغامرة، فالخوف يجمد أجسادهم في أماكنها، ويمنعهم من التطلع إلى نهضة أو تطور أو رقي، ويدفعهم خوفهم لأن يضحوا بكثير من الأموال في سبيل من يجدونه يقوم بدلاً عنهم بأعمال النهضة والرقي.

أما الجرأة والتحدي والمغامرة فهي من المحاذير عند الخائفين، ويرونها مستحيلة، بل يرون هذه المسائل من الجنون، وقد يرون أصحاب الجرأة والتحدي والمغامرة يفوقون البشر في مقدراتهم، وجديرين بالتقديس.
الخائف لا يحب مصاحبة الشجعان وتجزعه أفعالهم، بالرغم من متعته بمشاهدة بطولاتهم وبسماع أحاديث مغامراتهم، ولكنه لا يحب مصاحبتهم، وإنما يعمد لتقليدهم ليحقق متعة الشعور ببلوغ مراتبهم، أو يعمد لإشباع شعور الشجاعة والجرأة والتحدي وتحقيق البطولات بألعاب المغامرات الإلكترونية وبما يسمى بألعاب السوني والبلايستيشن أو غيرها، أي تحقيق البطولات في العالم الافتراضي.

الخائفون تبهرهم أعمال النهضة والتطور والرقي وتفتنهم، وتبهرهم أفكارها، ولكنهم لا يستطيعون التعامل معها أو القيام بها لأنهم اعتادوا الجزع، واستمرأوا العجز عن القيام بأي شيء منها ومن تعلّمها أو التخطيط لدراستها، ولذلك فهم يعيشون ليومهم، ولا يعيشون لغدهم ولا يخططون له، لأن شعور العجز سيطر على عقولهم المجمدة، وهذا يفسر واقع الشعوب في البلدان الإسلامية اليوم، واستسلامهم لسلطان العدو وصناعاته، وافتتانهم بنهضته.

الخائفون مستسلمون للواقع وخاضعون له، فالواقع مصدر تفكيرهم، أي أنهم يكرهون التفكير، ويعيشون كما يملي عليهم الواقع وتملي عليهم ظروف الحياة المقدمة لهم كما هي، راقية كانت أم متدنية، جيدة كانت أم سيئة، فيتعاملون معها دون التعرض لأفكار تغيير الواقع التي تجزعهم وتربكهم وتخيفهم، ناهيك عن جزعهم من أعمال التغيير وتطيرهم منها، ولذلك فإن الشعور بالأمان الآني يرونه خيراً لهم من الدخول في مسائل أو أفكار واعدة بالرقي والتطور والعزة والكرامة، فهي مستقبلية وتحتاج إلى التضحية والبذل والعطاء ناهيك عن أنها تهدد شعورهم بالأمان، وهذا أسوأ ما يمكن حصوله لهم. ولذلك فالعبودية في السلام عندهم خير لهم من التحرر تحت احتمال حصول الألم والشقاء.

الخائفون يشترون شعور الأمان بكرامتهم وعزتهم، كما يشرونها بأموالهم، بل وبأغلى ما يملكون، فهم يفضلون الذلة والمهانة والجوع والفقر على أن يمس أحدُهم أمانَهم أو شعورَهم بالأمن.

الخائفون يستسلمون لكل شيء، أي يمتنعون عن فعل أي شيء يمس أمنهم، حتى أنهم ليمتنعون عن طلب العلم النهضوي، أو التعرف على كيفية التخلص من العبودية والظلم والجوع والفقر.

الخائفون على مستوى الأفراد والشعوب والدول تجدهم دائماً متأخرين أو عاطلين أو عاجزين أو متخلفين، ولذا تجد الخائف يكذب عادة ليغطي نقصه وضعفه بأعمال وأقوال تُظهره على خلاف حقيقته المتواضعة، كأن يفتخر بأعمال لم يقم بها فينسبها لنفسه.

الخائف نفسه وما يملك أعزّ عليه من عزته وكرامته والقضايا المحمودة، ولذلك نجده يمد يده حتى لعدوه لينقذه من مسببات خوفه، لذا فهو لقمة سائغة سهلة لذيذة لكل الطامعين، فقد تأخذ منه كل ما تريد على شرط أن تُشعره بالأمان، وألا يمسه أحد بسوء أو يهدد أمنه.

ولو راقبنا الشعوب الإسلامية والعربية على وجه الخصوص لوجدنا أنه قد مورس في حقهم أفراداً وشعوباً ومجتمعات متفرقة كل أنواع التخويف المُوصلة إلى درجات الخوف التي ذكرنا بدرجاتها ومراتبها، بدءا من التربية القائمة على الخوف والتخويف والترهيب، كقولهم لا تفعل كذا وإلا فمصيرك كذا، وليس على مبدأ إن أردت أن تفعل فافعل، ولكن كن حذرا من حصول كذا أو كذا،، والتربية كذلك على منهج التخويف على الحياة والمال والأولاد والرزق التي هي أصلاً (كما يدعون) بيد الدولة أو الحاكم التي يمنحها من يشاء ويصرفها عمن يشاء.

ولا تقوم التربية اليوم على تقديم حقيقة أن الله بيده كل شيء، ويرزق من يشاء، ويعزّ من يشاء ويذل من يشاء، أي التربية على أن في اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه العزة والكرامة والشرف وحفظ الأموال والأعراض، وأن حرية الإنسان التي يجب أن تكون مطلب المسلم والتي يكفلها الإسلام له هي التي تكفل له ولأهله ولذريته من بعده الرزق والخير كله وهو عزيز غير مهان، فإذا ما قام المسلم بتكاليف الدعوة إلى الله وإلى دين الله وإلى شريعة الله، وإذا ما قام بإنكار المنكر لا يخاف أحدا إلا الله، آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر حصلت له العزة والكرامة والخير الكثير.

في الواقع الحالي لم تقم التربية على هذه القواعد الإيمانية ولم تقم على اعتبار هذه القواعد أمورٌ مصيرية في التربية، تحمي الإنسان من الوقوع في الخوف والرعب والرهبة والجزع والفزع، ومن أن يعبث به وبحريته العابثون، ولنا في واقع المسلمين اليوم وبلدانهم أعظم دليل، وقد تغذت مجتمعاتهم بأكملها وشعوبهم بالرعب والخوف والمهانة والذل، ولكن الله يمكر بالخير، وهو خير الماكرين، وسيعود المسلمون إن شاء الله عاجلاً يقودون نهضة العالم بالخير وبالعمل الصالح في ظل دولة خلافة راشدة وعد الله بها ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:
{وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} الأنعام81
وقال تعالى:
{وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الأنفال26
وقال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران:

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ {173} فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ {174} إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {175}

الحلقة التاسعة والأربعون - مقياس الغيرة


-->
تشتعل نار الغضب في نفس المسلم وفي نفوس كل المسلمين في أنحاء العالم عندما يرون مشاهد تلفزيونية تهز مشاعرهم من اغتصاب النساء المؤمنات أو تدمير البيوت فوق رؤوس الأطفال والنساء والشيوخ المسلمين، وحيث أن أعداء الإسلام والمسلمين من الحكام وأسيادهم من الكفار المستعمرين يهيمنون على الإعلام المحلي والعالمي، باتوا يعرفون الأخبار والمناظر التي تهز مشاعر المسلمين وتقلقهم، فأصبحوا يديرون عجلة هذه المشاعر بوسائل الإعلام بالكيفية التي تخدم مصالحهم، وخاصة إذا كان وراء هذا الإعلام وتلك القناة دولة تنافس دولة أخرى مستعمِرة من خلال إعلامها.

لقد أدرك الإعلام المحلي والعالمي أن الأجيال المسلمة اليوم باتت غير تلك التي واجهوها قبل قرن أو أكثر من قرن من الزمان، فما كان يغار عليه أسلافهم كان شيئاً آخر غير الذي تغار عليه أجيال اليوم، فرؤية رجل واحد أجنبي مدني أو عسكري في بلاد المسلمين كان آنذاك مثاراً للغضب وفوران الدم، في الحين أن القواعد العسكرية الغربية اليوم تنتشر في كل بقعة من بقاع المسلمين ولا يتحرك لكثير من المسلمين ساكن.
ولو تأخر الحاكم آنذاك في تطبيق حكم واحد من أحكام الإسلام أو أساء تطبيقه، أو تسبب في تعطيل تطبيق أحد الأحكام ثارت ثائرتهم، في الحين أن اليوم تُطبق أحكام الكفر عياناً بياناً، جهاراً نهاراً، ولا يغضب لهذا إلا القليل من المسلمين، و لا يتحرك أو يُنكر أحدهم ذلك.

لقد أدرك الأعداء أن مسألة غيرة المسلمين أو الشعوب، هي مسألة متعلقة بتغيير الأفكار والمفاهيم، فإذا ما تغيرت أفكار الإسلام عند المسلمين تغيرت مفاهيمهم عن الحياة، كمفهوم الولاء والعبادة والإتباع والحرية والسعادة والعزة والكرامة والجهاد والحرب والصدق والأمانة والبر ومفهوم الفساد والصلاح والكفر والضلال، والمفاهيم عن المال وكسبه وجمعه وصرفه،، وما يعمله الحكام مع أسيادهم من المستعمرين على تغيير أفكار الإسلام كما أوضحنا ذلك في الحلقات الأولى من السلسلة، بدءاً من تغيير الحكم بالإسلام وأفكار الإسلام ومفاهيم الإسلام، مروراً بتغيير علاقات المجتمعات الاجتماعية والاقتصادية، وتغيير مواقفهم تجاه الأحداث التي تصيب الأمة الإسلامية.

حتى تم أخيراً السيطرة على غيرة المسلمين فساقوها إلى الاتجاه الذي يخدم مصالحهم (مصالح الحكام والكفار المستعمرين)، بل قد أصبحوا يتفننون في هذا الأمر، فاستخدموا "الغيرة" مقياساً يقيسون به وعي الأمة الإسلامية، قياساً على مستوى إنكارهم وتحركهم لكل ما يظهرونه لهم في الإعلام، فيعينهم ذلك على اتخاذ الإجراءات اللازمة لتمرير مصالحهم ولوضع الخطط القريبة والبعيدة.

ثم يستخدمون هذه الغيرة لقياس إنكار الناس أو موافقتهم، على مسائل اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية يحاولون تمريرها على الأمة بسلام، فيقومون بطرح هذه المسائل في الإعلام، أولاً لقياس مستوى الإنكار أو الرضا عند الأمة، فإذا ما أنكرها الناس قام الإعلام ابتداءً بشتم من طرحها، ثم بعد أن يهضم الناس احتمال حدوث شيء كهذا، يطرحونه للنقاش، حتى يأخذ الناس في استساغة هذا الأمر إنكاراً وقبولاً، ثم لا ندري بعد برهة من الوقت إلا وأخذ الأمر في التنفيذ، رغماً عن أنوف الجميع الراضين والمنكرين، فلا تجد الفكرة بعدها من يتصدى لها أو يحاربها.
والأمثلة على ذلك كثير، كمسألة التطبيع مع ما يسمونها إسرائيل، أو في أي عمل إجرامي في حق الأمة،،، أما اجتماعياً فكل الخطط تتوجه نحو المرأة والنظام الاجتماعي وتحليل الزنا والخمر وغيره، أما اقتصادياً فكله يتركز نحو نهب ثروات الأمة والشعوب كعمليات الخصخصة (أي بيع مقدرات الأمة من سلع وخدمات في الصحة والاتصالات والمواصلات والطاقة وغيرها، بيعها إلى التجار أو الأمراء والوزراء والموالين ورؤوس الأموال الأجنبية) فيدفع الناس قيمة هذه الخدمات المجانية إلى عدو متسلط داخلي أو خارجي، وإدخال الشركات الرأسمالية المساهمة وإعطاؤها الصلاحية في النهب والتسلط، وغير ذلك كثير جداً.

يستخدم أعداء الإسلام والمسلمين من الحكام وأسيادهم من المستعمرين هذه الغيرة وقتما أرادوا، فمثلاً ترغب أمريكا أو أوروبا في احتلال بلد إسلامي كما حصل في العراق، ولكنهم كانوا في حاجة إلى إلهاء المسلمين عنهم، فاستخدموا خبراً يبرزونه في الإعلام يستفزون فيه أعلى درجات الغيرة "فيما تبقى من غيرة" عند المسلمين، كشتم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فيصرفون غضب المسلمين وغيرتهم إلى شيء آخر، فيلهونهم عن ما هو في الإسلام عظيم وذي حرمة كحرمة شتم الرسول الكريم، وهو احتلال بلاد المسلمين وهتك أعراضهم وقتل أنفسهم ونهب ثرواتهم.

إن الغيرة مادة يستخدمها الحكام وأسيادهم من الكفار المستعمرين لأغراضهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويستخدمون هدمها تدريجياً، حتى يصلون إلى هدم الغيرة لأعظم مقدس في نفس المسلم والأمة الإسلامية، ولا زالت تطالعنا فكرة هدم الكعبة المشرفة وهدم قبة مسجد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وغيرهم، لعل الناس يستمرئونها مستقبلاً، كما استمرؤوا ما دون ذلك قليلاً.

وللغيرة استخدامات كثيرة عند الحكام وأسيادهم من الكفار المستعمرين، فهي يتم توظيفها للتدليس على المسلمين عندما تصاب أحد بلاد المسلمين بفاجعة من عدو، فيقوم الإعلام يعينهم على ذلك علماء السوء، بإبراز هذه المصيبة من جانب وينفخون في غيرة الناس من جانب آخر، وذلك لثلاثة أهداف، الهدف الأول هو تجميع الأموال "التبرعات"، والهدف الثاني للتنفيس عن جام غضب الناس وصرفهم عن المطالبة بأكثر من جمع التبرعات، والهدف الثالث وهو الأهم هو التدليس على المسلمين، أن إجراء جمع التبرعات يغني لرفع القتل والتهجير وهتك الأعراض وقتل الأنفس عن من هجم عليهم الأعداء، كما حصل منذ أول أيام احتلال بيت المقدس وبلاد فلسطين، وتبعه أحداث كثيرة من أبرزها إعلامياً أفغانستان أيام الغزو الروسي، الشيشان، البوسنة والهرسك والعراق وبلاد الشام وبورما، وغزة والصومال وكشمير، فقد صرفوا المسلمين عن هذه الأحداث العظام بجمع التبرعات وبدعة الدعاء بدون عمل.

لذلك يجب أن يدرك المسلمون هذه المكائد والحيل، ويجب أن يدركوا كيف يتصدون لها، ويجب أن يدركوا أين موضع الغيرة الصحيح الذي هو رأس كل أمر، فإذا لم يكن، فلا ينفع بعده غيرة أو غضب، وهي الشيء الذي إن زال زال معه كل خير، ودُنست بزواله كل المقدسات، وانتهكت بدونه كل المحرمات، وهتكت بغيابه كل الأعراض، وسفكت بدونه الدماء، ونهبت بدونه الثروات، وضاعت بدونه كرامة الناس وعزتهم، فيذل العزيز ويعز الذليل، وهو الشيء الذي بدونه تضيع الحقوق، وينحاز المال إلى المتسلطين دون باقي الناس، ويتسلط الأقوياء على الضعفاء، وبدونه تضيع حقوق العاجزين والأرامل والنساء والأيتام وذوي الحاجة، والذي بدونه يتجرأ المجرمون ليدمروا مدناً وقرى وشعوباً بأكملها، ويقتلوهم بالدم البارد، والذي بدونه تضيع القيم الإنسانية والأخلاقية وكل أفعال الخير.

إن موضع الغيرة الصحيح والذي نؤكده هنا هو الغيرة على شرع الله وحكمه وأمره في الأرض، الذي به تستقيم كل أمور الدنيا، وليس كما يفعل بعضهم بالغيرة على أعراض المسلمات المغتصبات في العراق أو في الشام أو كما كان في البوسنة أو غيرها، ولا تهزه أي غيرة على غياب حكم الله وتعطّل أحكام الله وتعطل أحكام الجهاد في بلاده حيث يعيش، فإن لم تكن عند المسلم غيرة عظيمة هائلة على حكم الله وشرعه، فما دون ذلك لا ينفعه ولا ينفع المسلمين في شيء، وليس فيه خير.

إن موضع الغيرة عند المسلمين جميعاً يجب أن يكون هو شرع الله وحكمه قبل كل شيء، حتى قبل الأكل والشرب والنوم والسكن، وقبل الغيرة على المال والعرض والدم والولد، فإن وجّه المسلم غيرته لهذه تاركاً وراءه حكم الله فقد ضيع العرض والمال والدم والولد والأكل والشرب، إلا أن يعطي ولاءه أو شيئاً من ولائه للحكام وأفكارهم ولأسيادهم من المستعمرين فيتكسب من خلال ولائه لغير الله، وبذا يكون قد أشبع حاجات نفسه فقط، ضارباً بعرض الحائط الشهادتين وما تقتضيهما، حكم الله وأمره ونهيه، وضاربا بعرض الحائط المسلمين جميعاً.

قال الله سبحانه وتعالى في سورة الكهف 57
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاه
وقال تعالى في سورة العنكبوت 68
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ
وقال الله تعالى في سورة المائدة 51
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
قال الله تعالى في سورة المائدة 
وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)

الحلقة الثامنة والأربعون - كيفية تغيير واقع الأمة منهج التغيير منهج التغيير منهج التغيير

-->
الجزء الرابع – مسائل مهمة قبل عملية التغيير
يجب أن لا يخفى على عاقل أن مسألة نشوء حركة إسلامية ليست رحلة صيد أو مغامرة شيقة وممتعة، أو هي مجرد تجمّع رجال، تجمعهم عواطف جياشة وعلاقات مبنية على العموميات من المطالب والشعارات، وإنما هي علم عظيم، وحمل ثقيل، وطريق صعب، وتحدٍّ سافر، ولا يعتمد على عضلات أصحابه أو على المال أو الجاه، أو على علم بعضهم دون الآخرين، أو على حمل السلاح، ولا حتى على كل هذه المقومات مجتمعة.

بل إن مسألة نشوء حزب إسلامي هي من أعقد أمور الدنيا وأصعبها، وأكثرها شدة، وأعظمها إبداعاً، وأشدها قسوة على أصحابها، وهي من أكثر الأمور التي في حاجة إلى تضحية بالنفس والمال والولد، لأن الحزب الإسلامي الصحيح (ولا نقول التجمع أو الحركة أو الجماعة) إيذان بالتغيير لكيانات ودول قائمة، بل ولميزان القوى الدولي القائم، بل وينعكس على العلاقات الدولية والمصالح المتبادلة بين الدول المستعمرة أو غيرها، بل ويؤثر في مزاج هيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها العالمية من بنك دولي ومنظمة التجارة العالمية ويونسكو وغيرها وغيره، وهو قاصم لظهر البورصات العالمية، وللتداولات الرأسمالية في العالم، بل نشوء الحزب الإسلامي الصحيح هو إيذان بسقوط دول استعمارية عظمى وسقوط حكوماتها ومؤسساتها الصناعية والاقتصادية والتجارية، بل وحتى مؤسساتها الاجتماعية، وهو إيذان بحرب حقيقية فاصلة بين الإسلام والكفر إلى يوم الدين.

نشوء أو قيام أو نجاح حزب إسلامي اليوم ووصوله إلى التمكين أمر عظيم تخشاه كل دول العالم، فالدول الاستعمارية تعرف أن مصالحها سوف تُضرب في عقر دارها، أما حكام الدول العربية وغير العربية من العالم الثالث أو المنطقة الإسلامية بالتحديد، فيعلمون أن رؤوسهم سوف تتطاير إما في الهواء، أو إلى أمريكا وأوروبا.

نجاح الحزب الإسلامي الصحيح داخلياً ضربة للحاكم القائم وللدولة العميقة، أي ليس لشخصه وحسب بل ولوزرائه وأعوانه ولكل المنتفعين من النظام القائم وأقربائهم وأرحامهم، فببقاء الحاكم على كرسي الحكم تتحقق مصالح كل أولئك وتتوسع متعهم وكفايتهم وسلطانهم على الناس وظلمهم، وسقوط الحاكم القائم ضرر وأذى وشر عليهم وعلى مناصبهم ومصالحهم ومتعهم وأهوائهم، حتى الجندي البسيط مصلحته في بقاء الحاكم القائم على عرشه، لأنه في انتظار راتبه الشهري بعد الأيام المعدودة.

مزاج الحياة في منطقة ما من مناطق المسلمين، بسوئها وهبوطها وتدنيها، مِزاج مستقر إلى حد ما، وقطار المصالح فيها يسير بهدوء، ويُرضي شريحة كبيرة من الناس، بالرغم من أنه يدوس على ثلثي الشعوب أثناء سيره، فعامة الناس (كما هو واقع المسلمين اليوم) يتوقون للأمن وللغذاء والراحة التي تكاد تكون معدومة، حتى ولو على حساب ذُلهم وهوانهم، فعامتهم كما هو معلوم تضم الأطفال والنساء والشيوخ والعجائز والعاجزين واليتامى والأرامل وغيرهم، وأصبحت مُثقلة بهموم عظيمة، الذين لو حدثتهم في أمر التغيير لرفضوه ورفضوا أصحابه، فهي لا تنظر إلا لمصالحها القريبة، وتتوق إلى إشباع حاجاتها الأساسية وإلى أمْن عاجل ينزل من السماء بدون عناء ومشقة.

كل هذه المسائل يواجهها الحزب الإسلامي الصحيح الذي يعمل للتغيير، ويواجه أعداءَ كثر، من أهله وأقاربه والناس أجمعين، ناهيك عن الحاكم وزبانيته واستخبارات الدول المحتلة، المقيمة لصُلب هذا الحاكم وذاك، والمحافظة على كرسيّه، والساهرة على رضاه وعلى رضا أعوانه وأشياعه وأتباعه، وعلى رضا عسكره أولاً وآخراً.

الحزب الإسلامي الصحيح حزب جادٌ، لا يرتضي إلا فكره الصحيح ومنهجه، ولا يهادن ولا يداهن أحداً من الحكام، ولا يرتضي أنصاف الحلول، وهذا مما يُصعّب مهمته، ويرمي أشواكاً فوق أشواك في طريقه، ويعرضه إلى الأذى والملاحقة والمحاربة من الجميع، فالحاكم يحاربه خوفاً على عرشه، وعلماء السوء والمتمشيخين وقادة القوات العسكرية وغيرهم ممن قد باعوا ولاءهم لغير الله يحاربونه، والآخر ممن أشرك بالله الحاكم (الملك أو الرئيس) في أعماله وطرقه وعلمه يحاربه، والآخر يتجسس عليه وعلى أفراد الحزب وأعراضهم لأنه ينتظر راتب آخر الشهر، والآخرون يُعينون على محاربته، لأنه لو قُدّر لهذا الحزب النجاح فسيُفسد عليهم صفقاتِهم التجارية وأعمالهم الخفية، الإجرامية الخاصة والحكومية، حتى أهالي أفراد هذا الحزب وأقاربهم يحاولون أن لا يستمعوا لهم شفقة وخوفاً من غضب وجور الحاكم.

وبالتالي فإن الحزب الإسلامي الصحيح الصادق كما يجد من المحاربة الكثير، يجد من فرص النجاح القليل، ولذلك فإن الأمر في حاجة إلى تضحية، وصبر على المعاناة ومثابرة، ووقت طويل، وجهد عظيم، ناهيك عن حاجة الحزب إلى دهاء عظيم وثبات، وخاصة ما يجده العمل الإسلامي من عرقلة للأعمال، بسبب التعتيم والتشويه والتهميش الإعلامي، ونتيجة لآراء المضللين والفساق المتمسلمين، فكل ما زادت قوة الإعلام زاد التضييق والخناق على الحزب، وأصبح المسلمون أنفسهم عقبة في طريقه بدلاً من أن يكونوا هم أداة نجاحه ونجاحهم على حد السواء، فتبات الأمة الإسلامية تحارب الهدف الذي يسوقهم أصلا إلى الخلاص من مصائبهم.

خطورة أعمال التغيير:
فكما أن عملية التغيير عملية عظيمة عالمياً، لديها القدرة لتنير الأرض كلها بنورها، فإن لديها القدرة أيضاً أن تنهار بالشعوب في غياهب الدجى، وتُسقطهم في وحول فوق الوحول التي مثقلين بها، وهذا يحدث عندما لا يكون الحزب لديه مقومات الحزب الناجح التي ذكرناها في الحلقات السابقة، ومن خلال نقص المقومات تجد الإستخبارات الأمريكية والأوربية وغيرها منافذ عديدة للإيقاع بهذه الأحزاب في فتن مع شعوبها، ليس السبب في ذلك الخلل في مقومات هذه الأحزاب الإسلامية وحسب، بل مكر وتربص أعداء الإسلام بالأمة الإسلامية، وتمكّن استخباراتهم من التغلغل داخل الشعوب، مستغلين كل ما يمكن استغلاله لإيقاع الفتن في داخلها، مستعينين في ذلك بالخائنين لله ولرسوله والمؤمنين، من حكام وأمراء وجواسيس من أبناء البلاد، ومستفيدين بالطبع من أخطاء الحركات والجماعات الإسلامية، ومن الخلل الذي تعاني منه.

إن الدأب في التشكيك في جميع الحركات الإسلامية والعمل الدعوي الإسلامي والشخصيات الإسلامية الفذة ذو أهمية عظمى لدى الحكومات القائمة والإعلام، وكذا محاولة إثبات أن أي حركة في سبيل التغيير هي مَهْلَكةٌ للناس والمجتمع ولأمنهم، وهذا يخدم إقناع الناس بالانصراف عن أمر الإسلام، ويخدم تجريم أفكار التغيير، التي لا تجلب لهم إلا الفتن والمصائب والكوارث "كما يدعون".

الحركة المثالية الصحيحة تتمثل في التكوين الحزبي، الذي تأسس وتأصل علمه لأول مرة في تاريخ البشرية على يدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، حيث كان هو وأصحابه رضي الله عنهم كتلة واحدة، على رأي رجل واحد، بناء فكرياً واحداً، عزيمة واحدة، منهج واحد، هدف واحد، ثباتهم على أمرهم بالرغم من الأهوال والمصائب والإغراءات، تمويل واحد من داخل كتلتهم، ثم تسلّمهم زمام الأمور في المدينة المنورة كرجل واحد، بقيادة سيدنا محمد في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، حتى أناروا كل الدنيا أكثر من اثني عشر قرناً من الزمان.

وبالرغم من هذا التصوير المُحبط، فلله في حكمته تدبير ومكر للمؤمنين فوق تصور البشر، لذا فعلى الأمة الإسلامية ورجالها المؤثرين من أهل الحل والعقد والقادة والوجهاء والمخلصين أن يعطوا بيعتهم للعاملين للإسلام كما فعل الأنصار رضوان الله عليهم مع الرسول الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وذهبوا بالأجر، وعليهم المساهمة في العمل على عودة الإسلام للحكم والتمكين، ولكن مع الحرص أن يكونوا متيقظين وعالمين وواعين لمن يعطون بيعتهم.

قال الله تعالى:
{ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } آل عمران104
وقال تعالى:
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ{8} الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ{9} البروج
وقال تعالى:
{وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }التوبة105
وقال تعالى: 
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  النور(55)

عن أبي مالك الأشعري، كما ورد في الترغيب والترهيب أنه جمع قومه فذكر الحديث إلى أن قال:
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى صلاته أقبل علينا بوجهه فقال يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا، واعلموا أن لله عز وجل عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم وقربهم من الله، فجثا رجل من الأعراب من قاصية الناس وألوى بيده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله، ناس من المؤمنين ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم؟ أنعتهم لنا، حلهم لنا (يعني صفهم لنا شكلهم لنا)، فسُرّ وجه النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الأعرابي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابّوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور يجلسون عليها فيجعل وجوههم نورا وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

الحلقة السابعة والأربعون - كيفية تغيير واقع الأمة منهج التغيير منهج التغيير منهج التغيير


-->الجزء الرابع – علماء الأمة الإسلامية المفكرون وأثرهم في التغيير
يبرز للأمة من حين لآخر في الإعلام علماء ومفكرون إسلاميون(!)، سياسيون واقتصاديون وأصوليون، في ساحة الصراع الدائر بيننا كطرف(الأمة الإسلامية) وبين من يقود الأمة إلى هلاكها من الاستعمار وأوليائه.
يتميز هؤلاء العلماء عادة بمستوى عال من العلم والفكر، وبمظهر يُذهل علمهم السامع والناظر، وكأن الله لم يخلق في العلم أمثالهم، ولا تلبث أن تقوم بعض القنوات الفضائية أو الإذاعية بإبرازهم أكثر، وتسليط الأضواء عليهم، فيبدأ الناس بالتالي يعرفونهم ويتعلقون بهم، ويُفتنون بشخوصهم،،، وهناك أمثالهم أو من هم خير منهم ممن لم يُظهره الإعلام، أو ممن لم يقبل بالظهور في الإعلام المرئي والمسموع، فهؤلاء يكاد لا يعرفهم أحد سوى أقرب المقربين.
هذه الفئة من العلماء والمفكرين ممن هم معلومين ومن بعض المستورين، قد حظوا من العلم الشرعي والسياسي والإداري وغيره الشيء العظيم، وملكوا من الفكر ما هو خير لهم وللناس أجمعين، وباتوا أصحاب رأي لا تستغني عنهم الأمة اليوم كما يبدو، وفي الحقيقة أن قضية التغيير اللازمة اليوم للأمة الإسلامية ليست في حاجة لهؤلاء العلماء والمفكرين كثيراً، والسبب في ذلك أن عملية التغيير لها قوانينها وشروطها، ولها قواعدها الخاصة بها، التي لم يرتض كثير من هؤلاء السير في ركابها لأسباب معلومة وغيرها مجهول، وبالتالي فإن قطار التغيير تركهم وأهملهم، فهو لا يمهل أحداً ولا يجامل أحداً، ولا يقدّس عالماً أو مفكراً أو عبقرياً، ولا يسير قطار التغيير إلا بمن يركبه ويعين عليه، ويعين على نفع المسلمين جميعاً.

متى يكون العلماء والمفكرون صالحين للتغيير؟ :
من لم يكن ولاؤه خالصاً لله وحده، أو من كان في ولائه شك من هؤلاء العلماء أو المفكرين النابغين، أو من كان في ولائه شيء لحاكم أو محكوم، أو لهوى،،،، فهو ليس من الأمة الإسلامية في شيء، ناهيك عن صلاح أحدهم لعملية التغيير.
أي إنّ العلماء والمفكرين إنْ لم يكن علمهم قائماً على الإيمان بالله وبرسوله وبالإسلام كما جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فليس منهم أصلاً من هو صالح للتغيير، ولو كان يحمل كل علوم الدنيا أو الآخرة، وحتى لو ظهر على شخصه سماحة الصالحين ونور الغر المحجلين.
إن لم يكن صاحب العلم أو العالِم والمفكر الفذ قائداً نهضوياً يعمل للتغيير وينصبّ اهتمامه للتغيير، وليس للوعظ والإرشاد، والدعوات الإصلاحية، والأعمال الخيرية، وغير منشغل بالتحاليل السياسية، أو منشغلاً بجانب من جوانب الدين وخاصة كالفقه، أو ببعض أصول الدين، فإن كان كذلك منشغلاً ومشتغلاً في أمور كهذه فليس فيه أصلاً خير للأمة ولا فائدة منه، ناهيك عن صلاحه لأمر التغيير، وهو بالتالي قد لا ينفع إلا نفسه، ولسان حال أحدهم كحال مجاهد قوي شجاع يخوض في معركة وفي جيش العدو فرداً دون جيشه، أو كالذي يبنى لنفسه فقط جنة يسرح فيها ويمرح، ويجيء فيها فرحاً بها ويجول فيها متفاخراً.
عملية التغيير يستحيل فيها العمل الفردي مهما بلغ أحدهم من العلم والفكر، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، الذي لم يتحرك لطلب النصرة من القبائل "لتأسيس الدولة" حتى قد أصبح على عقيدته ومنهجه كتلة قوية من الصحابة رضوان الله عليهم، ولذا فإن العالِم المفكر المخلص (ولا نتحدث هنا بالطبع عن علماء السوء، أو علماء السلاطين) ليس له قيمة في واقع الأمة الإسلامية في قضايا تغييرها وتغيير واقعها ما لم يكن فرداً في كتلة تحمل نفس العلم والفكر قليله أو كثيره، وتعمل بنفس المنهج، وتسير لنفس الغاية والهدف،،، أو يكون هذا العالِم المفكر المخلص هو مؤسس هذه الكتلة للتغيير، وهو رجلُها الأول، وأن لا يكون هو رجلها الأخير أو الأوحد، فإن لم يكن كذلك فإن هذا العالِم ليس له قيمة في واقع التغيير، ولن يكون له أثر أو تأثير في عالم التغيير.
يتطلب للعالم والمفكر المؤمن بالتغيير اليوم أن يكون عنده علم بالواقع السياسي المحلي والعالمي، استنادا إلى العلم الشرعي، ويلزمه الإلمام أو الإحاطة بالتاريخ السياسي القريب خاصة والبعيد، لا أن يأتي أحد العلماء من الفقهاء ويظهر في الإعلام، وإذا ما سُئل عن قضية سياسية مصيرية فيما يتعلق بالعلاقات أو الأعمال الأمريكية أو الأوروبية في المنطقة الإسلامية وتحركاتها لا تجد له جواباً، أو لا يعرف أصلاً شيئاً من سياساتهم الخارجية، أو السياسات الاقتصادية المطبقة في العالم الغربي أو الإسلامي، أو لا يعرف أصلاً السياسة الاقتصادية في الإسلام مقارنة مع الاشتراكية أو الرأسمالية.
العلم بالفكر الإسلامي لوحده عيب على العالِم المؤمن بالتغيير، العازم على نهضة المسلمين، فما يقابل الإسلام من أفكار عقائدية ونظامية أخرى من العقائد الرأسمالية أو الاشتراكية، أو العقائد الدينية الأخرى المختلفة، إن العلم بها مقارنة بالإسلام أمر مصيري في عملية التغيير.
العلم بماهية الإسلام عقدياً، والعلم بالدولة الإسلامية في جميع جوانبها النظامية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها من الجوانب أمر ضروري للعالِم الساعي للتغيير، وكذا العلم بماهية تطبيق نظام الإسلام في العصر الحديث، والعلم بكيفية إعادته لواقع الحياة أمر مهم وعظيم،، ولا أدري كيف يعتلي أحدهم منبر الحديث للملايين وهو لا يمتلك تصوراً عن الدولة الإسلامية في ماهيتها، ولا يمتلك تصوراً عن كيفية استئناف الحياة الإسلامية، وكيفية إعادة الحكم بما أنزل الله،، أو لا يدري ما هي أصل مشكلات العالم الإسلامي اليوم، أي ليس على علم بما كان وبما هو كائن أو بما يجب أن يكون.
العلم بكيفية تغيير واقع الأمة الإسلامية الحالي لا يجوز إلا أن يكون جزءاً من عقلية العالم والمفكر الإسلامي النهضوي، ولا أتصور أحدهم يظهر في الإعلام ويتحدث بكل ثقة في الميكرفون في أمور الإسلام والمسلمين وليس لديه علم بكيفية تغيير واقع الأمة الإسلامية الحالي، ويُتخذ من الإعلاميين دمية يلهون بها إعلامياً، ليُثبتوا بها للمشاهد والسامع سطحية تفكير علماء المسلمين ومفكريهم، وقد حُسب عليهم عالماً. ولو أن هؤلاء أمسكوا ألسنتهم عن الحديث في شأن المسلمين، وصدقوا مع من يحدثهم بأنهم لا يفقهون في مسائل التغيير شيئاً لكان خيراً لهم، وأكثر نفعاً للمسلمين.
يجب على العالِم والعامل للتغيير أن يكون ناصحاً لله ولرسوله وللمسلمين، أي يجب أن يقول كلمة الحق، لا يجامل في الحق، ولا يخفي شيئاً من الحق، ولا يلمّح للحق، بل يكون بقول الحق متحدياً صريحاً واضحاً، لا يختلف في فهم منطقه اثنان، ولا يخاف لقول كلمة الحق أحداً من الناس أو الحكام، ويدلّ المسلمين ويرشدهم على من يجدون عنده ضالتهم، ومن هو الأجدر بالإتباع في سبيل التغيير في هذه الأيام التي لا يحكم فيها بالإسلام، أي يجب أن يكون العالِم مناراً يُستضاء به، لا شماعة يُعلق عليها الناسُ الأعذار والأقوال والذرائع، وأن لا يحكّم الهوى في أقواله، ويحتسب كل أقواله وأفعاله أجرها عند الله وحده، فإن لم يكن كذلك، وليست لديه الشجاعة والإقدام اللازمتين، فلا يوهم الناس بشخصه ولا يغررنّهم أو يغرر بهم، أو يكذب عليهم، أو يوارب في حديثه.
من أولويات العلم لدى من يريد التغيير ويعمل له العلم الفكري والسياسي،،، فالثقافة الواسعة العريضة لا تُغني عن العلم الفكري شيئاً، فالعلم الفكري هو علم يرتبط بالواقع ارتباطا تفاعلياً مباشراً، فما يحمله العالِم من ثقافة وعلم، إن لم يكن له تأثير على الواقع، ولم يكن في علمه حلولاً لمشكلات الأمة العظمى ناهيك عن الصغرى، إن لم يكن كذلك فالكتب خيراً من هذا العالِم أو ذاك، وأحفظ منهم للعلم، ويكون علمه بالتالي هو ثقافة جامدة كثقافة المدارس الأكاديمية، التي لا تغني من الحق شيئاً. فما بالك أن يكون هذا العالِم مطلوباً منه أن يقود الأمة للتغيير.
أما الفكر السياسي فهو علم تفاعلي متعلق برعاية شؤون الأمة، وهو فكر يستطلع العالِم من خلاله إلى كل الدنيا وما يحدث فيها، والكيفية التي يدير فيها السياسيون كفة الحكم في البلدان المختلفة، على المستوى الإقليمي والعالمي، والعلم بأنواع السياسات المختلفة، وعلم السلم والحروب والمعاهدات، وتحرك الجيوش والمصالح، والعلم السياسي المنطلق من العلم بالمبادئ المختلفة، وما يتعلق بهذه المبادئ من تحركات سياسية وعسكرية. فإن لم يكن العالِم، المطلوب منه أن يقود الأمة للتغيير غير عالم بهذه المسائل فأنى يكون له أن يكون نافعاً للأمة وللتغيير فيها.
هذه هي مجمل مواصفات الشخصيات التي نستطيع أن نثق بها في سبيل التغيير، وليس لمجرد أن يظهر أحدهم في الإعلام وتُسلط عليه الأضواء يكون هو الجدير بإعطاء الثقة له، ولآرائه أو أفعاله أو أقواله، حتى ولو كان يحمل من الثقافة الإسلامية الشيء العظيم، فقضيتنا أيتها الأمة الإسلامية هي قضية التغيير، التي لها رجالها الحقيقيون، وليس رجالها المشهورين إعلامياً.
قال الله تعالى :{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ }البقرة159
قال الله تعالى :{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }الجمعة5
في شعب الإيمان عن للبيهقي عن وافد بن سلامة عن يزيد الرقاشي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أحدّثكم عن أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم يوم القيامة الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله على منابر من نور؟ فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين يحببون عباد الله إلى الله، ويحببون عباد الله إليّ، يأمرونهم بما يحب الله وينهونهم عما يكره الله، فإذا أطاعوهم أحبهم الله).