الحلقة الرابعة - التربية ومقياس الأعمال


-->
التربية هي فن نقل الأفكار والمقاييس والقناعات لمستحقي التربية من الأفراد (الآباء والأمهات والأبناء) والمجتمعات،، أما مقياس الأعمال فهي القاعدة التي تستند إليها أعمال الناس وأقوالهم وآراؤهم ومواقفهم، فإما أن تكون التربية قائمة على الأفكار الإسلامية، وهذا الأصل في الإسلام وعند المسلمين، وإما تربية بأفكار ومقاييس وقناعات غير إسلامية (رأسمالية أو شيوعية) كما هو في الدول الغربية، أو تكون خليطاً سيئاً من هذا وذاك، كما هو في بلاد المسلمين كافة اليوم.

مقياس الأعمال، المقصود بمقياس الأعمال حين تكون أفعال الناس وأقوالهم وآراؤهم مستندة إلى قواعد معينة، كالتي حددها الشرع في الإسلام من الحلال والحرام، أو تكون قواعد غير محددة الهوية تستند إليها الدول ويستند إليها الناس (كما هو الواقع السيء في بلاد المسلمين اليوم)، أو تكون قواعد محددة أصلها وفرعها هو تحقيق المنفعة المطلقة (كما هو على الإطلاق في المبدأ الرأسمالي، في كل دول العالم اليوم بدون استثناء) أي بخلاف مقياس الحلال والحرام في الإسلام المقيد بالإيمان بالله ورسوله وأحكام الإسلام.

وبالتالي فإن كثيراً من المسلمين اليوم، وبالتحديد من الآباء، يعوّلون على المدارس في تربية أبنائهم، ويُلقون على عاتق المدرسة والمدرسين همّ التربية، ظناً منهم أن المدارس العربية أو غيرها، والمدرسين، يقومون كما تدعي الدول بمهمة التربية الإسلامية، ويجهلون أن الدول نفسها تتخذ مناهج تعليمية متعمدة لا يعتمد فيها على التربية الإسلامية وعلى مقياس الأعمال (الحلال والحرام)، فليس من مصلحة هذه الدول أن ينشأ الأبناء وتكون تربيتهم إسلامية على أساس مفهوم الشهادتين ومفهوم العبودية الصحيح، لأن نشوء شخصيات إسلامية عند هذه الدول الكرتونية يعتبر من المحاذير الشديدة القائمة، حتى لا تكون هذه الشخصيات يوماً خناجر في خاصرة حكامها، وفي خاصرة الدول المستعمرة.

إن التربية الإسلامية الصحيحة التي تُنشيء الشخصيات الإسلامية وتؤثر على سلوك المسلم فتجعله منضبطاً بالأحكام الشرعية تقوم على أسس محددة وهي كالتالي :

1) إثبات وجود الله، والتعريف الصحيح بخالق السموات والأرض
2) إثبات أن القرآن من عند الله وليس من عند محمد بن عبد الله
3) إثبات نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
4) التعريف الصحيح بالشهادتين كما ذكرنا
5) التعريف بمفهوم العبادة كما ذكرنا
6) التعريف بالشرك كما ذكرنا
7) المفاهيم المتعلقة بالعقيدة كمفهوم القضاء والقدر، ومفهوم الهداية، ومفهوم الرزق، ومفهوم إنتهاء الأجل، ومفاهيم أخرى

أما مفهوم مقياس الأعمال المرتبط إرتباطاً مباشراً بالتربية الإسلامية، فهذا يتعذر بل يستحيل على المدارس في كل البلاد الإسلامية بواقعها الحالي، أن تعلّمه أبناءنا أو أن تبني شخصياتهم على أساسه، وذلك يعود أولاً: لجهل المدارس نفسها لهذا المفهوم، وعدم وروده أصلاً في قواعد التربية عندهم، وثانياً: لأجل عدم رغبة المنهج التعليمي أن يصنع هذا المقياس في عقول الأبناء.

فمقياس الأعمال يعني أن يُبنى عقل الإنسان بكيفية يكون فيها إيمانه بأن كل فعل يفعله يجب أن يكون مستنداً إلى ما أمر الله به ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ونَهَيا عنه، أي أن الإنسان عندما يريد القيام بفعل يقوم فيقيسه على ما يرضي الله سبحانه وتعالى ولا يغضبه، أي على الحلال والحرام، وحيث أن الأحكام الشرعية تتضمن الواجب والمحظور(المحرم) والمكروه والمندوب والمباح، وجب أن تقوم التربية على هذا المقياس، فتكون أفعال المسلم مبنية ومبرمجة على هذه الأحكام الخمسة، ولا يكون مقياس أفعال الإنسان مبنياً على شيء آخر، كمقياس المصلحة مثلا (متع جسدية،جاه،سلطان،مال)، فيقدّم الإنسان بالتالي المصلحة على أحكام الشرع .

والحاصل أن المدارس والمدرسين لا يقومون بهذه التربية، بصناعة مقياس الأعمال هذا في عقول الأبناء، لأنهم إن فعلوا فسيخالف ذلك أفكاراً كثيرة ومفاهيم تريد الدول صنعها في عقول الأبناء والناس والمجتمع، كمفاهيم الوطنية والقومية، والولاء للحاكم (الملك، الرئيس) من دون الله، والخضوع لعبودية النظام الإقتصادي الرأسمالي، والولاء للأفكار الإجتماعية الغير إسلامية، ككشف العورات وإختلاط النساء بالرجال في الأماكن الخاصة، وكالعلاقات المحرمة بين الرجل والمرأة، والعلاقات الشاذة، وكالتعاملات الظالمة في حق المرأة والزوجة والإبنة والإبن، والخضوع والولاء لأفكار كثيرة ومفاهيم مخالفة لعقيدة الإسلام، وما أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من أحكام.

هذه التربية المخالفة لأصل الإسلام وفروعه، من شأنها إفراز شخصيات غريبة في الأمة، بعيدة كل البعد عن الشخصيات القويمة الإسلامية، التي يُعوّل عليها في العيش بالإسلام وحمله ونشره وبناء حضارته. 

وقد قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم :
" وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا" (ما : هي "ما" الشمولية)
وقال رسولنا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم :
"عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يُؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) ، حديث صحيح"

الحلقة الثالثة - الشرك

-->
الشرك هو أعظم مصيبة تقع على الإنسان من فعل يديه، وهي التي تحرف هوية الإنسان، وتحرف مسار حياته ومستقبله ومستقبل أبنائه، ويقرر مسار الدول التي تحكم وهوية المجتمعات، وتحدد مصير هؤلاء كلهم، كما حصل لحياة أقوام مشهورة في التاريخ، هذا الشرك يتعرض مفهومه في أيامنا إلى أعظم أنواع التحريف والمغالطة، من خلال علماء السوء ومدرسين الدين في المدارس والجامعات، حتى أوقعوا الناس جميعهم في الشرك، وجعلوا أكثرهم مشركين وهم لا يعلمون، فقد أبرزوا صورة الشرك أنها تتمثل فقط في عبادة الأصنام (التي لم يعد لها وجود في ديار المسلمين منذ مجيء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم)، أو تتمثل كما يدعون في التمسح بقبر الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بقبور الصالحين، أو بالتشفع بالرسول صلى الله عليه وسلم حين الدعاء، أو بالصالحين من الصحابة أو التابعين أو غيرهم .

وتم التركيز كثيراً على هذا المفهوم لحاجة في نفس يعقوب، وتم إهمال المفهوم الأصلي للشرك، ولكن الأهم من ذلك أن التحريف الذي حصل لمفهوم الشرك غرضه أكثر من ذلك بكثير كما ذكرنا، فالشرك لم تكن هناك مسألة من المسائل في القرآن قد تعرضت للتوضيح والتبيان والتحذير كمثله، حتى يرحم الله الناس فلا يقعون فيه فيخسروا الدنيا والآخرة. 


الغرض من تحريف مفهوم الشرك هو جعل الإتباع لغير أوامر الله من الحكام والسلاطين القائمين اليوم أمراً طبيعياً، ولا يمس العقيدة، ولا يُدخل في الشرك، مما مهّد للقبول بإتباع غير أوامر الله والعمل في خدمتها، وبالتالي نجد شعوب المسلمين اليوم مخدرة، وتأتمر بأمر الحاكم الكفري وهي تعلم، وتجتنب نواهيه من دون الله، ولا ترى في ذلك بأساً، وتنصاع لأحكامه وأنظمته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، بل وتقوم على تنفيذها وخدمتها، ولا ترى في ذلك بأسا. وانغمس الأفراد والشعوب بالتالي في الشرك انغماساً لعيناً مُهيناً مُذلاً، وأصبحت لدينا اليوم مجتمعات شركية، وأفراد مشركون، وأكثرهم لا يعلمون، وبات كثير منهم يظن أن صلاته في المسجد أو في البيت كافية لصلاح دينه أو عمله أو قبوله عند الله.


الشرك بخلاف الكفر، بالإمكان أن يقع فيه الإنسان المسلم بكل يسر وسهولة، وذلك بمجرد مخالفته شروط الشهادتين ومقتضياتهما، التي هي الإتباع المطلق لأوامر الله واجتناب نواهيه، واجتناب وترك ما دون ذلك، مما ورد في القرآن الكريم وسنة نبيه محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فنجد أن الجندي البسيط الذي يعمل في أحد الأجهزة الأمنية، يتبع أوامرَ يُؤمر فيها بالتجسس على المسلمين، أو يُؤمر مثلُه بالتقبض على المسلمين، ممن لا يملكون دفتر إقامة على سبيل المثال، أو يؤمر مثله باقتحام بيوت الآمنين، فيتّبع هذا وذاك أوامرَ مخالفةً لأوامر الله سبحانه وتعالى، أي متبعين أوامر الحاكم، فيكونون بهذا قد أشركوا مع الله آمراً وناهياً آخر، وهذا هو الشرك بعينه 
.

ونجد الوزراء، وعلماء السلاطين، ومدراء الدوائر الحكومية ورؤساءها، في الجوازات والجنسية أو الأحوال المدنية، أو في المدارس أو الجامعات، أو الغرف التجارية أو الصناعية أو الجمارك أو غيرها، نجدهم بالأنظمة التي ينفذونها يخالفون أوامر الله سبحانه وتعالى فيما يقومون عليه من أعمال، ويتبعون أوامر غير الله من الحكام، أي يشركون مع الله آمراً وناهياً أخر، وذلك هو الشرك بعينه، يفعلون ذلك وهم لا يجدون في ذلك بأساً ولا يتورعون فيه، ثم يتوجهون إلى المساجد ليصلوا فيها مع المصلين، أو تكون لهم إمامة الناس في صلاتهم .


قال الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة 3:وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 
أخرج البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال لي جبريل: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، أو لم يدخل النار، قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق.

الحلقة الثانية - مفهوم العبادة


إن العبادة بصورتها الشمولية تعني الإتباع، أي أن عبادة الله سبحانه وتعالى تتحقق في اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه كاملة، والإقرار بصلاحيتها دون غيرها من الأوامر والنواهي، فمن وجّه طاعته وإتباعه لأحد في الأرض، كطاعة الحكام من الملوك والرؤساء وغيرهم وإتباعهم من دون الله (طاعتهم واتباعهم في الأحكام السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو القضائية التي هي من عند غير الله، كما هو حاصل الآن في كل بلدان المسلمين)، أو طاعة أوامر أمريكا أو أوروبا أو الأمم المتحدة والمنظمات العالمية الأخرى وقراراتها، والقبول بتقسيم بلدان المسلمين، والقبول بالجنسيات على أساس وطني أو قومي، أو القبول بالخضوع للدول التي تقيمها الدول الاستعمارية وتفرضها على المسلمين، يكون الإنسان (إن فعل ذلك أو أقره بلسانه أو بقلبه) قد وجّه عبادته، أي إتباعه لغير الله، حتى ولو صلى وصام .

مفهوم العبادة كما هو في الأصول، لا يُدرّس اليوم في المدارس على الإطلاق، حتى ولو كانت المدارس تستخدم جملاً تشير إلى المفهوم الحقيقي للعبادة، فهي إما أن تُدرِّس مفهوم العبادة للدارسين لفظاً لا معنىً، أي يتم تحفيظه خالياً من مفهومه، أو يُدرس اللفظ محرّفا عن مفهومه الأصلي، أو أن يُدرس اللفظ ويدرس مفهومه بشكله الصحيح، ولكن كون أن ليس له واقع في التطبيق فهو يفقد أهميته وقيمته لدى الدارس، فتجد الدارس ينظر إلى هذا اللفظ مجرداً، خالياً من قيمته وأهميته، وغير مكترث لذكره، فهو لا يحس بتأثيره فيه .

وإن اضطر المدرس أو أحدهم أن يصف للدارسين واقعاً للعبادة أي الإتباع وصفاً صحيحاً، قام مفترياً على الله ورسوله، قائلاً للدارسين أن دولتنا هي التي تطبق شرع الله، وأن الحاكم فلان هو ولي الأمر الشرعي، الذي يجب أن يُطاع ويُتبع، لأن طاعته من طاعة الله (حتى ولو حكم بالكفر)، فيجعل الجميع يوجهون عبادتهم وبالتالي طاعتهم إلى غير الله، أي لهذا الحاكم أو ذاك.

إن المدارس بكافة مستوياتها في كل بلدان المسلمين، الإبتدائية أو المتقدمة أو في الجامعات، لا تقوم بتدريس هذا الأصل من الأصول على الإطلاق بمفهومه الصحيح، بالرغم من أهمية هذا الأصل في تحديد عقيدة المسلم، وفي صبغ هويته، وفي تمييزها عن غيره.

إن تدريس المفهوم الصحيح والحقيقي للعبادة، يجعل المسلمين يدركون الوُجهة التي يجب عليهم توجيه عبادتهم أي طاعتهم أي إتباعهم لها، وهي الله سبحانه وتعالى، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أمرا به، وبالتالي طاعة من قام على تطبيق أوامرهما واجتناب نواهيههما، ولجعلهم يدركون أنه يتوجب عليهم الكفر بالحكام الحاليين، ويدركون أنه يتوجب عليهم مخالفتهم وعدم اتباعهم، ولرأوا أنه يتوجب عليهم الخروج عليهم، وإيجاد حاكم شرعي حقيقي مكانهم.

ولذلك فإن مفهوم العبادة يُقصره المدرسون على مفهوم واحد فقط، وهو الصلاة والصيام والحج والزكاة والذكر، وبعض الأخلاق الحسنة، وعلى الصدقات، وعدم عبادة الأوثان، وما شابه هذه الأحكام.

قصر هذا المفهوم فقط على لفظ العبادة بالطبع يخالف مفهوم العبادة أصلاً وفرعاً، فيظن المسلم أو طالب العلم أنه يتصف بصفات المسلم الصحيح الحق، وأنه بذلك يعبد الله حق عبادته، ويظن الوالدان أنهما قد أحسنا وأبليا في تربية أبنائهما أحسن البلاء، ويظن المدرس الجاهل أنه يقوم بتدريس العبادة للدارسين على أكمل وأحسن وجه، وهو لا يدري أنه يضلهم ويزيدهم ضلالاً، فيباتون يعبدون غير الله، وهم يحسبون أنهم يعبدونه، وحسبنا الله ونعم الوكيل .

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : سورة البقرة 177

ليْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ

عن ابن عمر - رضي الله عنهما - :   أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((بُعِثْتُ بين يَدَيِ السَّاعة بالسَّيف، حتى يُعبَدَ اللهُ وحدَه لا شريك له، وجُعِلَ رِزْقي تحت ظلِّ رُمْحي، وجُعِلَ الذَّلُّ والصَّغار على مَنْ خالَف أمري، ومَنْ تَشَبَّهَ بقومٍ فهو منهم))


الحلقة الأولى - شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله


-->
هَلْ مَا دَرَسْنَاهُ ودرسَه الناسُ اليومَ فِيْ الْمَدَارِسِ ويدرسونَه؟ وهل الْعِلْمُ وَالْفِكْرُ الَّذِيْ تَلَقَّيْنَاهُ ويتلقاه الناسُ اليوم عن الإسلام، وَالَّذِيْ نُقِلَ إِلَىَ الأجيال الْحَاضِرَةِ هُوَ الإسْلَامُ الْحَقِيقَي الَّذِيْ نَزَلَ عَلَىَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله؟ أي هل الإسلامُ الذي نراه اليومَ بين أيدينا هو الإسلامُ الذي أنزله الله على سيدنا محمد؟ وهل الحياةُ التي يعيشُها المسلمون اليومَ هي الحياة الإسلامية التي ارتضاها الله للمؤمنين والمسلمين أن يَحيَوها؟ وهل الذلُّ والمهانة والخضوعُ والتخلفُ الذي يعيشه المسلمون اليومَ هو نتيجة للإسلام الذي كلفنا الله بحمله، أمَ الذي نحمله اليومَ يحملُ نفسَ اسم الإسلام، ولكنه ليس الإسلامُ الذي أنزله الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟


في الواقع يَظُنُّ كَثِيْرٌ مِنَ المسلمين وغيرُ المسلمين وحديثو العهد بالإسلامِ أَنَّ العلمَ الذي تَلَقَّيْنَاهُ فِيْ الْمَدَارِسِ عن الإسلام، وَالْفِكْرَ الَّذِيْ يَتَنَاقَلُهُ الْمُسْلِمُوْنَ فِيْمَا بَيْنَهُمْ، وَالْعِلْمَ الَّذِيْ يَصِلُنَا مِنْ عُلَمَاءِ الْسُّوْءِ، وَالْوَاقِعَ الَّذِيْ نَعِيْشُهُ الْيَوْمَ، أَنَّ ذَلِكَ كُلَه يُمَثِّلُ صُوْرَةَ الإسْلَامِ الَّذِيْ نَزَلَ عَلَىَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصورةَ الحياة الإسلامية، وَفِيْ الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ الْوَاقِعَ غَيْرُ ذَلِكَ تَمَاما، فَمَا دَرَسْنَاهُ اليومَ وَمَا يُدْرُسُهُ أَبْنَاؤُنَا فِيْ الْمَدَارِسِ وَالْجَامِعَاتِ وَغَيْرِهَا، وَمَا يَتَحَصَّلُهُ الْمُسْلِمُوْنَ من العلم عن الإسلام، وما يَرَوْنَهُ مِنْ الإسلام هُوَ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْإِسْلَامَ في بعض أحكامه، بل إنه ليس هو الإسلام، وَلَيْسَ مِنْ الإسلام فِيْ شَيْءٍ، لا بِأُصُوْلِهِ ولا بِفُرُوْعِهِ، ولا بِحَقِيْقَةِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيه، ولا بِكَيْفِيَّةِ الْعَيْشِ بِه، فَكَيْفَ حَصَلَ ذَلِكَ؟ 

إِنَّ الْمَوَادَّ الْتَّعْلِيْمِيَّةَ فِيْ الْمَدَارِسِ كافة، مِنْ علوم عن الفِقْهِ وَالحَدِيْثِ وَالتَوْحِيْدِ وَالقُرْآَنٍ الكَرِيْمٍ، هِيَ مُجَرَّدُ ثَقَافَةٍ ومعلومات، يَسْتَطِيْعُ الْمُسْلِمُ، بَلْ حَتَّىَ الْكَافِرُ أَنَّ يَتَعَلَّمَهَا، وأن يَحْفَظَهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، دُوْنَ أَنْ تُؤَثِرَ فِيْهِ مِثْقَالَ شَعْرَةٍ، أي أن هناك أصول فِيْ دَرْسِ الإسْلامِ وَتَعَلّمِهِ تتناول عِدَّة مَسَائِلَ مُهِمَّةٍ وأساسية، هِيَ الَّتِي تَصْنَعُ الْشَّخْصِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّة بالإسلام الْحَقِيقَيِّ الَّذِيْ نَزَلَ عَلَىَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَأَتَمُّ الْتَّسْلِيمِ.

ولنبدأ بالأصلِ الذي يكونُ المسلمُ به مسلماً، ويُدخلُه في دائرة الإسلامِ والمسلمين، وهو الشهادتان، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، حيث أن الدُّخُوْلَ فِيْ الإسلام لا يكونُ إلا بهاتين الشهادتين، وذلك بتَعَلُمِهِمَا ودَرْسِهِما وَفَهْمِهِمَا، والقبولِ بهما، ثم تَبَنّيهما والْعَمَلُ بما جاءتا، والعملُ عَلَىَ تَحْقِيْقِ مُقْتَضِيَاتِهِما فِيْ وَاقِعِ الْحَيَاةِ، وَهَذَا لا يَتِمُّ إلا عِنَدَمَا يؤمن الإنْسَانُ بِعَقْلِهِ بِوُجُوْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن هذا القرآن منزلٌ من عند الله، وأن محمدَ بن عبد الله نبيُّ الله ورسولُه، ثُمَّ يُؤَمِنُ بِمَا وَرَدَ فِيْ الْشَّهَادَتَيْنِ بِأَنَّ الْعُبُوْدِيَّةَ أَيُّ الإتّباعَ وَالْحَاكِمِيَّةَ، أَيْ الأمر وَالْنَّهْيَ أنهُمَا لِلَّهِ وَحْدَهُ،َ لَيْسَتْ لأيِّ مَلكٍ أَوْ حَاكِمٍ أَوْ رَئِيْسِ أَوْ بَرْلَمَانٍ، أو لأيِّ نظامٍ من أنظمة الدنيا.

من الطَبِيْعِيِّ أَنَّ هَذِهِ الْفِكْرَةَ بِهَذَا الْتَّفْسِيْرِ الْصَّحِيْحِ لا تَرُوْقُ لِمَلِكٍ ولا لِحَاكِمٍ، ولا لأمْرِيكَا أَوْ أُوْرُوبَّا أو للشرق أو للغرب من المستعمرين والمحتلين لبلاد المسلمين، لأن هَذِهِ الفِكْرِةَ هِيَ الْفِكْرَةُ الْصَّحِيْحَة لِلشَهَادَتَينَ وهي تحمل في طياتها ثورةً تحررية عظيمة للإنسان، وتمرداً ضد كل ظلم وقهر وعبودية وفقر وذل وهوان، وفيهما تحرر من كل سيد على الأرض سوا الله سبحانه وتعالى.

فَلِذَلِكَ فإن الشهادتين بواقعهما هذا التحرري لا تُدَرّسُا اليوم فِيْ الْمَدَارِسِ بحقيقتهما على الإطلاق، بَلْ تُدرّسا مشوهةً وتُحْفظ مُجَرَّدَةً مِنْ أَيِّ مَعْنَىً وَفَهِمَ، لأنهَما لَوْ دُرِّسَتَا بِهذه الْكَيْفِيَّةِ الْصَّحِيْحَةِ، وَدُرِّسَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَىَ الإقرار بِهِمَا مِنْ تَبْنِي وَمِنْ عَمَل، لأدَّى ذَلِكَ لأنْ يَكْفُرَ الْنَّاسُ بِالْحَاكِمِ وَبِالنّظَامِ الَّذِيْ يُطَبِّقُهُ عَلَيْهِمْ، وَلدَعَاهُمْ ذَلِكَ لِلْخُرُوْجِ عَلَيْهِ، لِمُخَالَفَة الحاكمِ تطبيقَ شرع الله ومخالفتِه مَا تَقْتَضِيْهِ الْشَّهَادَتَانُ مِنْ تَكَالِيْفَ وَأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ وَأَحْكَامٍ وَنُظُمِ، ولدعاهم للثورة ضد أعداء الإسلام والمسلمين والمغتصبين.

وَمِنْ هُنَا يَبْدَأُ الْخَلَلُ فِيْ بِنَاءِ الْشَّخْصِيَّةِ، فَبَدلاً مِنْ أَنْ تُصْبِحَ شَخْصِيَّةٌ الْمُسْلِمِ شخصية إِسْلامِيَّةً، تُصْبِحُ شَخْصِيَّةٌ مُسْلِمَةً بِالْهُوِيَّةِ فَقَطْ، وَيُصْبِحُ الْنَّاسُ "بِدُوْنِ عِلْم" يُؤْمِنُوْنَ بِشَيْءٍ غَيْرَ الَّذِيْ شَهِدُوْا لَهُ بالإلوهية وَهُوَ الْلَّهُ، وَيُؤْمِنُوْنَ فعليَّا بِغَيْرِ الْرِّسَالَةِ الَّتِيْ نَزَلَتْ عَلَىَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحقيقة فكرتها، وحقيقة العمل والحياة بها.

فَالإِلَهُ كَمَا ذَكَرْنَا هُوَ الْمَعْبُوْدُ الْمُطَاعُ الْمُتَّبَع، والشهادتان تطلبان ممن يشهدُ بهما أن لا يكون إلا الله هو وحده الإله، ولا يُقرُّ بالإلوهية لغيره، أي لا يُشرَك معه شيءٌ من الخلق أو الأنظمة أو القوانين، فيكون اللهُ هو السيدُ الآمرُ الناهي المشرّع المعبود المطاع،، وَرِسَالَةُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَكُوْنُ الإِيْمَانُ بِهَا إِلَا إِذَا كَانَ لَهَا وَاقِعَا عَمَلِيّا، أَيْ تُطَبَّقُ فِي وَاقِعِ الْحَيَاةِ،، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذلك، لَمْ يشْهِدْ الْنَاسُ أَنَّ لا إِلَهَ إلا الْلَّهُ، وَلم يشهدوا أَنَّ مُحَمَّدا رَسُوْلُ الْلَّهِ.

قَالَ الْلَّهُ تَعَالَىْ فِيْ سُوْرَةِ الأنْعَامِ 19
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً، قُلِ الْلَّهُ شَهِيْدٌ بِيْنِيْ وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُوْنَ أَنَّ مَعَ الْلَّهِ آَلِهَةً أُخْرَىَ، قُلْ لا أَشْهَدُ، قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِيْ بَرِيْءٌ مِّمَّا تُشْرِكُوْنَ.

عن عبدالله عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :(( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى)) رواه البخاري ومسلم. .