-->
الحلقة الرابعة - التربية ومقياس الأعمال
-->
الحلقة الثالثة - الشرك
وتم التركيز كثيراً على هذا المفهوم لحاجة في نفس يعقوب، وتم إهمال المفهوم الأصلي للشرك، ولكن الأهم من ذلك أن التحريف الذي حصل لمفهوم الشرك غرضه أكثر من ذلك بكثير كما ذكرنا، فالشرك لم تكن هناك مسألة من المسائل في القرآن قد تعرضت للتوضيح والتبيان والتحذير كمثله، حتى يرحم الله الناس فلا يقعون فيه فيخسروا الدنيا والآخرة.
الغرض من تحريف مفهوم الشرك هو جعل الإتباع لغير أوامر الله من الحكام والسلاطين القائمين اليوم أمراً طبيعياً، ولا يمس العقيدة، ولا يُدخل في الشرك، مما مهّد للقبول بإتباع غير أوامر الله والعمل في خدمتها، وبالتالي نجد شعوب المسلمين اليوم مخدرة، وتأتمر بأمر الحاكم الكفري وهي تعلم، وتجتنب نواهيه من دون الله، ولا ترى في ذلك بأساً، وتنصاع لأحكامه وأنظمته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، بل وتقوم على تنفيذها وخدمتها، ولا ترى في ذلك بأسا. وانغمس الأفراد والشعوب بالتالي في الشرك انغماساً لعيناً مُهيناً مُذلاً، وأصبحت لدينا اليوم مجتمعات شركية، وأفراد مشركون، وأكثرهم لا يعلمون، وبات كثير منهم يظن أن صلاته في المسجد أو في البيت كافية لصلاح دينه أو عمله أو قبوله عند الله.
الشرك بخلاف الكفر، بالإمكان أن يقع فيه الإنسان المسلم بكل يسر وسهولة، وذلك بمجرد مخالفته شروط الشهادتين ومقتضياتهما، التي هي الإتباع المطلق لأوامر الله واجتناب نواهيه، واجتناب وترك ما دون ذلك، مما ورد في القرآن الكريم وسنة نبيه محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فنجد أن الجندي البسيط الذي يعمل في أحد الأجهزة الأمنية، يتبع أوامرَ يُؤمر فيها بالتجسس على المسلمين، أو يُؤمر مثلُه بالتقبض على المسلمين، ممن لا يملكون دفتر إقامة على سبيل المثال، أو يؤمر مثله باقتحام بيوت الآمنين، فيتّبع هذا وذاك أوامرَ مخالفةً لأوامر الله سبحانه وتعالى، أي متبعين أوامر الحاكم، فيكونون بهذا قد أشركوا مع الله آمراً وناهياً آخر، وهذا هو الشرك بعينه .
ونجد الوزراء، وعلماء السلاطين، ومدراء الدوائر الحكومية ورؤساءها، في الجوازات والجنسية أو الأحوال المدنية، أو في المدارس أو الجامعات، أو الغرف التجارية أو الصناعية أو الجمارك أو غيرها، نجدهم بالأنظمة التي ينفذونها يخالفون أوامر الله سبحانه وتعالى فيما يقومون عليه من أعمال، ويتبعون أوامر غير الله من الحكام، أي يشركون مع الله آمراً وناهياً أخر، وذلك هو الشرك بعينه، يفعلون ذلك وهم لا يجدون في ذلك بأساً ولا يتورعون فيه، ثم يتوجهون إلى المساجد ليصلوا فيها مع المصلين، أو تكون لهم إمامة الناس في صلاتهم .
قال الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة 3:وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
أخرج البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال لي جبريل: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، أو لم يدخل النار، قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق.
الحلقة الثانية - مفهوم العبادة
إن العبادة بصورتها الشمولية تعني الإتباع، أي أن عبادة الله سبحانه وتعالى
تتحقق في اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه كاملة، والإقرار بصلاحيتها دون غيرها من
الأوامر والنواهي، فمن وجّه طاعته وإتباعه لأحد في الأرض، كطاعة الحكام من الملوك
والرؤساء وغيرهم وإتباعهم من دون الله (طاعتهم واتباعهم في الأحكام السياسية أو
الاقتصادية أو الاجتماعية أو القضائية التي هي من عند غير الله، كما هو حاصل الآن
في كل بلدان المسلمين)، أو طاعة أوامر أمريكا أو أوروبا أو الأمم المتحدة
والمنظمات العالمية الأخرى وقراراتها، والقبول بتقسيم بلدان المسلمين، والقبول
بالجنسيات على أساس وطني أو قومي، أو القبول بالخضوع للدول التي تقيمها الدول
الاستعمارية وتفرضها على المسلمين، يكون الإنسان (إن فعل ذلك أو أقره بلسانه أو
بقلبه) قد وجّه عبادته، أي إتباعه لغير الله، حتى ولو صلى وصام .
مفهوم العبادة كما هو في الأصول، لا يُدرّس اليوم في المدارس على الإطلاق،
حتى ولو كانت المدارس تستخدم جملاً تشير إلى المفهوم الحقيقي للعبادة، فهي إما أن
تُدرِّس مفهوم العبادة للدارسين لفظاً لا معنىً، أي يتم تحفيظه خالياً من مفهومه،
أو يُدرس اللفظ محرّفا عن مفهومه الأصلي، أو أن يُدرس اللفظ ويدرس مفهومه بشكله
الصحيح، ولكن كون أن ليس له واقع في التطبيق فهو يفقد أهميته وقيمته لدى الدارس،
فتجد الدارس ينظر إلى هذا اللفظ مجرداً، خالياً من قيمته وأهميته، وغير مكترث
لذكره، فهو لا يحس بتأثيره فيه .
وإن اضطر المدرس أو أحدهم أن يصف للدارسين واقعاً للعبادة أي الإتباع وصفاً
صحيحاً، قام مفترياً على الله ورسوله، قائلاً للدارسين أن دولتنا هي التي تطبق شرع
الله، وأن الحاكم فلان هو ولي الأمر الشرعي، الذي يجب أن يُطاع ويُتبع، لأن طاعته
من طاعة الله (حتى ولو حكم بالكفر)، فيجعل الجميع يوجهون عبادتهم وبالتالي طاعتهم
إلى غير الله، أي لهذا الحاكم أو ذاك.
إن المدارس بكافة مستوياتها في كل بلدان المسلمين، الإبتدائية أو المتقدمة
أو في الجامعات، لا تقوم بتدريس هذا الأصل من الأصول على الإطلاق بمفهومه الصحيح،
بالرغم من أهمية هذا الأصل في تحديد عقيدة المسلم، وفي صبغ هويته، وفي تمييزها عن
غيره.
إن تدريس المفهوم الصحيح والحقيقي للعبادة، يجعل المسلمين يدركون الوُجهة
التي يجب عليهم توجيه عبادتهم أي طاعتهم أي إتباعهم لها، وهي الله سبحانه وتعالى،
وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أمرا به، وبالتالي طاعة من قام على تطبيق
أوامرهما واجتناب نواهيههما، ولجعلهم يدركون أنه يتوجب عليهم الكفر بالحكام
الحاليين، ويدركون أنه يتوجب عليهم مخالفتهم وعدم اتباعهم، ولرأوا أنه يتوجب عليهم
الخروج عليهم، وإيجاد حاكم شرعي حقيقي مكانهم.
ولذلك فإن مفهوم العبادة يُقصره المدرسون على مفهوم واحد فقط، وهو الصلاة
والصيام والحج والزكاة والذكر، وبعض الأخلاق الحسنة، وعلى الصدقات، وعدم عبادة
الأوثان، وما شابه هذه الأحكام.
قصر هذا المفهوم فقط على لفظ العبادة بالطبع يخالف مفهوم العبادة أصلاً
وفرعاً، فيظن المسلم أو طالب العلم أنه يتصف بصفات المسلم الصحيح الحق، وأنه بذلك
يعبد الله حق عبادته، ويظن الوالدان أنهما قد أحسنا وأبليا في تربية أبنائهما أحسن
البلاء، ويظن المدرس الجاهل أنه يقوم بتدريس العبادة للدارسين على أكمل وأحسن وجه،
وهو لا يدري أنه يضلهم ويزيدهم ضلالاً، فيباتون يعبدون غير الله، وهم يحسبون أنهم
يعبدونه، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : سورة البقرة 177
ليْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ
ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ
وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء
والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ
الْمُتَّقُونَ
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - : أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:
((بُعِثْتُ بين يَدَيِ السَّاعة بالسَّيف، حتى يُعبَدَ اللهُ وحدَه لا شريك له،
وجُعِلَ رِزْقي تحت ظلِّ رُمْحي، وجُعِلَ الذَّلُّ والصَّغار على مَنْ خالَف أمري،
ومَنْ تَشَبَّهَ بقومٍ فهو منهم))
الحلقة الأولى - شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله
-->

