بطل الفيلم في ثورتي تونس ومصر




لقد صعَدَت "درة عين الأمة الإسلامية" مصر أول عتبة من عتبات الحرية بعد تونس الحبيبة، في إطار ثورة فريدة من نوعها، ثورة تحررية خالصة، وليست كأي ثورة قبلها مما كان يتم تدبيرها من أمريكا لطرد عميل بريطانيا لتؤول ولاية هذه الدولة الحاكمة أو تلك لها، أو مما كان يتم تدبيرها من بريطانيا أو فرنسا ضد العميل الأمريكي.
هذه الثورة التحررية تتميز من جانب آخر وتختلف عن جميع الثورات في العالم بميزات، فهذا الشعب الثائر، ليس كشعوب أمريكا الجنوبية أو الشعوب في وسط وجنوب أفريقيا أو غيرهما، فهو شعب مسلم،، وروحه إسلامية، وقناعاته أصلها إسلامي، ومطالبه التي تحيك داخل صدره مطالب إسلامية، وبلاده بلادٌ إسلامية، وتاريخه إسلامي، ولذلك فإن ثورته بالرغم من أن بعضهم كان يحمل العلم المصري القومي الوطني، إلا أن قلب حامله وعواطفه تجيش بوحدة إسلامية عالمية، ووحدة أرض وشعب مع بلدان المسلمين الآخرين.
ولو سألت الشعب الثائر وتحققت قليلاً في مطالبه لوجدته يريد حياة إنسانية كريمة، ويريد انعتاقاً من عبودية الفقر والجوع والمرض والظلم والقمع، ثم لو وضعت خيارات عدة أمام شعب مصر وتونس وغيرهم في كيفية هذه الحلول وبأي مبدأ، بكيفية شيوعية أم رأسمالية أم إسلامية، لرأيت اللهفة للإسلام ولعز الإسلام في أنظار هذه الشعوب الثائرة، ولو مارست معهم بعض المكر عن طريق استفتاء، أو منبر من لا منبر له لتسأل عن موقع إسرائيل في قلوبهم، لوجدت روح الجهاد تصرخ في نفوسهم بالجهاد ضد إسرائيل وأمريكا وأوربا وغيرهم، حتى ولو افتدوا بكل قطرة دم منهم أو من أبنائهم، أو لو افتدوا بكل غال ونفيس يملكونه.
هذه هي حقيقة الشعوب الإسلامية، فهي ثائرة دائماً داخل نفوسها، ثائرة بالإسلام ومن أجل الإسلام، وفداء للإسلام، وقد تأخرت ثورتُها عقوداً كثيرة بسبب القمع والمكائد الإستخباراتية الأجنبية في المقام الأول والدهاء السياسي الخبيث، ولم تقدر أن تتنفس وتبوح بثورتها الداخلية، حتى وجدت الآن المتنفس الصعب الذي أخرج أرواحها عنوة من داخل صدورها، وانتزعه انتزاعاً على خيفة ورَوَع.
واقع الشعوب الإسلامية هذا العقلي والنفسي كما وصفناه لا ولم يخفى عن عيون الاستخبارات الأمريكية أو الأوروبية أو الإسرائيلية المتربصين، ولكن هؤلاء لم يكونوا يعلمون متى ستكون ساعة انفجار هذه الشعوب ووقت انطلاق ثورتها وماهية الشرارة الأولى لها، ولذا،، فإن بعض هؤلاء المتربصين قد أعد عدته ليوم الثورة هذا، بل وقد خطط له منذ سنوات عديدة، وهذا ما كنا قد أدركناه من يوم انطلاق القناة الفضائية "الجزيرة" البريطانية الصنع، منذ حوالي خمس عشرة سنة، التي كان همها ووظيفتها التي اُعدت لها هي أن تعبث بعقول المسلمين العرب، لضرب الحب والافتتان والإعجاب الذي كان يحمله العرب في قلوبهم لأمريكا، ونهضتها، وقوتها، ولذا فهي قد عملت على ضرب هذه المشاعر المتجهة لأمريكا، وعملت جاهدة بنجاح في كشف خطط أمريكا وفضحها في المنطقة الإسلامية، بعد أن تحول معظم ما تبقى من حكام العرب إلى عملاء أمريكيين، بعد أن كانت قبلتهم لندن.
وكم كانت فرحة بريطانيا بخروج والي فرنسا زين العابدين، وكم كانت الفرحة عظيمة بثورة شعب مصر الشرفاء واندحار حسني مبارك الأمريكي، فقد كانت الضربة آنذاك موجعة لبريطانيا حينما طُرد واليها الملك فاروق من مصر، وآلت الأمور لأمريكا وجمال عبد الناصر، وتم سحب البساط الثمين من تحتها الذي ضحت من أجله كثيراً،، والآن كم كانت فرحة بريطانيا عظيمة بثورة مصر وتونس، ظهرت فرحتها جلية من خلال أداتها المجانية العظيمة "قناة الجزيرة"، فدفعت القناة لتتولى أمر الثورة المصرية إعلامياً، فقامت قناة الجزيرة وأعانت الثورتين التونسية والمصرية أيما عون، ونفخت، وما زالت تنفخ في نارها كلما آلت النار إلى السكون، وهو في ظاهره عمل نبيل منها، وإخلاص وحب للثورة الشريفة، لا تبتغي قناة الجزيرة منه إلا وجه الله، ونوال رضوانه وبلوغ جنات الفردوس الأعلى.
طبيعي أن هذا التهكم يُدرك من خلاله أن الذئب لا يهرول عبثاً، فإلى أي هدف تعمل الجزيرة بكل قوتها، وهي تتكلف بكل هذه التكاليف المادية والبشرية في سبيل إذكاء روح الثورة في البلدان الإسلامية؟؟
بالتأكيد تعلم قناة الجزيرة البريطانية ونعلم بالطبع أن الشعوب الإسلامية قد طفح كيل القهر والفقر والظلم والعبودية بها، ولا بد للشمس مهما طال غيابها أن تشرق، فليست ثورة الشعوب الإسلامية اليوم من صنع بريطانيا أو غيرها، بل ليخسئوا، فالأمة اليوم أخذت بمجموعها زمام المبادرة بأيديها لثورتها الكبرى.
أما بريطانيا وحلفاؤهم فقد علِمناهم وما صنعوه في بلدان المسلمين حقاً،، فقد استعبدونا سابقاً وأذلونا وأهانونا في أموالنا ودمائنا وأرضنا وأعراضنا، فقد عاثت بريطانيا وحلفاؤها الأوربيون في بلدان المسلمين الفساد والقتل والتدمير والحرق والنهب والسلب والسبي، حتى تمكنوا فيما بعد هم وأحلافهم من إسقاط دولة الخلافة رأس عزنا ومجدنا، وتاج أمرنا، وتمكنوا من احتلال بلداننا وتقسيمها.
أما اليوم فتعمل بريطانيا بأداتها الجبارة الساحرة "قناة الجزيرة" على استعادة أمجادها وسلطانها على البلاد الإسلامية بكيفية سياسية، وبدهاء ومكر عظيمين، فهي تُركب الشعوب السفن التي يحبونها ويعشقونها، ولكنها "قناة الجزيرة البريطانية" تقود هذه السفن إلى الاتجاه الذي تهواه هي.
لقد أعطت قناة الجزيرة ثورتي تونس ومصر حقها في الإعلام وأبلت فيه بلاء حسناً، ولكنها عملت وتعمل بمثابرة منقطعة النظير ليل نهار إلى قيادة هذه الثورة إلى بلاد الديمقراطية والفكر الديمقراطي ونظامه البائس الماكر اللعين.
لقد روجت قناة الجزيرة للثوار والشعبين التونسي والمصري الديمقراطية بحنكة ودراية، وصورت الديمقراطية لهم ولكل من يتابع الأحداث في تونس ومصر وغيرها، صورتها لهم أنها الإله الذي هو رب العدالة ورب الحرية ورب الثورة ورب الحق ورب العزة ورب الكرامة، وصورت الديمقراطية لهم أنها هي رب الفقراء والمساكين، وأنها الإله الذي يُدخل الجنة في الدنيا بغير حساب، وربما في الآخرة أيضاً، وهي إله الخير وعدو الشر، وهي الإله الذي يعطي حرية الرأي وحرية الفكر، وهي الإله المطلق الذي يُعطي ويمنع ويوزّع ويُشبع، ويخفض ويرفع، وهي هي نصير المظلومين وقبلة المقهورين، وهي هي ذات العصا السحرية التي تضرب الحجر فتنبثق منه عيون الماء، وهي الإله الذي يُعتق الناس من العبودية، وهي سوبرمان.
ولذا بات المشاهد لا يسمع في قناة الجزيرة وحتى غيرها، لا يسمع بين كلمة ديمقراطية وديمقراطية إلا كلمة ديمقراطية، حتى كادت قناة الجزيرة تُسمي الخبز الذي يأكله الناس ديمقراطية، وعملوا جاهدين على إلقام هذا الإله في أفواه الناس بالقوة إلقاماً، المشاهدين منهم والثائرين، حتى بات العجائز والأطفال الذين لم يفكوا الحرف، باتوا يرددون كلمة ديمقراطية وهم لا يعرفون ولم ولن يعرفوا معناها مطلقاً.
لقد كان من الطبيعي من خلال استفراد قناة الجزيرة بالاهتمام والبث المباشر للثورة التونسية والمصرية واليوم اليمنية وغداً كل البلاد الإسلامية بإذن الله، من الطبيعي ستجدها هي التي ستطعم الناس خبز الديمقراطية، وهي التي ستلحفهم بلحاف الديمقراطية، وهي التي ستسكنهم بمساكن الديمقراطية الكاذبة، وهي التي ستبني لهم دوراً وقصوراً ديمقراطية،،، فتكون بريطانيا وقناتها الجزيرة بهذا النجاح الباهر قد ألبست الناس ثوباً من غير جنسهم، وخلقت لهم مطلباً لحاضرهم ومستقبلهم صنعته هي لهم، خلاف مبدئهم وعقيدتهم وخلاف نظام الإسلام وحكم الإسلام الذي يغشى قلوبهم، وتكون بهذا أوقعتهم في فخها، يقبّلون حبائل الفخ وهم لا يشعرون، وبالتالي تكون قد أحكمت قبضتها عليهم وعلى الأجيال التي بعدهم وصنعت لنفسها عالماً من العبيد الجدد الذين أتوها زحفاً وهم صاغرون.
لقد كان أبطال الثورة التونسية والمصرية وغيرهم، كانوا هم الشعوب ولا زالوا، ولكن الفيلم الذي عرضته قناة الجزيرة عن الثورة لم يكن بطله إلا الديمقراطية والدعوة للديمقراطية النتنة.
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الممتحنة2
{إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ }

الإبداع - الجزء الثاني -

الإبداع في الإدارة

إن المدير هنا قد لا يكون في حاجة إلى الإبداع فهو يقوم بعمله بشكل مُرض وكافٍ أو تام حتى، ولا يمنع أن يكون المدير هنا مبدعاً مع كل ما يحمل من صفات، أما لو كان مبدعاً فستأخذ إدارته شكلاً آخر غير الذي رأينا، فالإبداع يتم هنا إذا ما إستحدث هذا المدير أفكاراً جديدة أدت إلى قلب كيان هذه المؤسسة ورفعت إنتاجها بشكل إنقلابي، ثم أدت إلى جعلها أنجح المؤسسات حاضراً أو في منظور المستقبل القريب والبعيد مقارنة مع منافسيها، كأن يجعل أفراد مؤسسته هذه مثلاً يعملون بكل إخلاص وأمانة ونشاط ودأب، وإذا ما نجح في جعلهم يسعون بأنفسهم إلى تحسين هذه المؤسسة وإلى تحسين إنتاجها، وإذا ما نجح في جعلهم يقومون بأعمالهم كما لو كانت هذه المؤسسة ملكاً لكل واحد منهم فيؤلمهم تأخرها أو خسارتها، ويعز عليهم الإهمال في أداء أعمالهم فيها، فإنه إن نجح في ذلك فإنه يكون شخصاً مبدعاً لا محالة .

والأمثلة على الإبداع هنا كثيرة في إستحداث الأفكار فيما يتعلق بالمنتَج نفسه أو بالتسويق أو برفع طاقة الإنتاج أو تخفيض التكلفة وجعلها تصب في صالح التسويق، أو الإبداع في إعادة تشكيل المراكز الإدارية والتنفيذية وإضافة بعضها أو حذف الآخر منها، وما شابه هذه الإبداعات .

أنواع الإبداع والمبدعين

ولا يقتصر الإبداع على جانب من جوانب الحياة، بل إن الإبداع ممكن بل ومطلوب في جميع جوانب الحياة بدون استثناء، ففي الصناعة والتجارة والزراعة إبداع، وفي التدريس وإدارة شؤون المنزل وفن الطبخ وفن الزينة عند المرأة والرسم إبداع، وفي تطوير آلةٍ ما وعلم الفيزياء أو الطب أو غيرهم من العلوم إبداع، وفي القيادة والسياسة إبداع، حتى في الجريمة كذلك إبداع واسع .

وكما ذكرت فإن الإبداع قد يقتصر عند مبدع على فن واحد معين، فتجده يغذيه ويشبعه بأفكار جديدة وتصورات عديدة وخيال واسع، ويخلق له أفاقاً لم تكن معروفة وتصورات لم تكن معلومة من قبل، فيجعله ذا أثر بالغ وذا منفعة عظيمة في الحياة، ولكننا بالرغم من ذلك نسميه الإبداع المقيد .

وقد تكون عند إنسان ما ملكة الإبداع المطلق، وصاحب هذا الإبداع شخص فريد من نوعه ولا تجد منه في العالم إلا قليل، فلا نجد هذا النوع من المبدعين يقتصر إبداعه على فن واحد معين بل في كل علم أو فن أو أي شيء يتعلمه، والمبدع المطلق هذا لا تجده في العادة يطيق التقييد أو المنع أو الحصر، فهو فوق أن يكون مُقاداً أو مرؤوساً في علم أو في عمل ما يجيده، وتجده لا يلبث في علمه أو في عمله يسبق مرؤوسيه أو معلميه أو قادته، وهو فوق أن يكون مُقيداً بوظيفة معينة، إلا أن تتيح هذه الوظيفة لفكره العميق وخيالاته الواسعة وآفاق تصوراته متنفساً لها، ولذلك فليس لهذا المبدع المطلق إلا الوظائف القيادية المطلقة التي يحلق فيها كيفما يشاء، وغالباً ما تكون أراء هذا المبدع للناظرين ممن حوله غريبة للوهلة الأولى أو دائماً ولا يتصورون آفاقها، فآراؤه غير إعتيادية وغير رتيبة ولا تستطيع أن تتقيد بما هو معتاد من القوانين والأنظمة، لأنه لا يدرك بُعد آرائه وتصوراته ومداها إلا هو نفسه والعالِمين بخفايا الأمور، وأصحاب الرأي والمبدعين الآخرين .

وغالباً ما تجد المبدع المطلق يمتلك طاقة عظيمة تفوق غيره، ونشاطاً دائباً يجهده ويجهد غيره معه، وغالباً ما تجده يصطدم مع بيئته والناس من حوله ويحتك بهم ويتفاعل معهم ويشغلهم .

إلا أنّ هناك جانبين سيئين عند المبدع المطلق وهو أنه إذا همّ بالإبداع في علم أو فن لا يتقنه ولا يعلم خفاياه وأسراره، ولا يعلم أصوله فإنه بذلك سيحرفه عن أصوله، ويُحدِث في هويته ويغير من معالمه، والجانب الآخر السييء في المبدع المطلق أخطر بكثير، إذ لو كان لا يؤمن إلا بأهوائه ومصالحه فوق كل مصالح الناس أجمعين والبيئة، فإنه بذلك قد يحدث كوارث لا طائل لها في الأنفس والأموال والبيئة، وقد يجر الناس إلى حروب وعداءات وصراعات مريرة، وإلى فساد طاغٍ . أما إذا ما سَلِم المبدع المطلق الجهل بالشئ والإجرام والفساد، كان خيراً على الناس ورحمة لهم، حاضراً ومستقبلاً، للقريب والبعيد .

الإبداع والذكاء

الإبداع والذكاء صفتين متلازمتين للمبدع المطلق والمبدع المقيد بعلم أو فن، إلا أن درجة الذكاء عند المبدع المطلق تكون عالية جداً عن غيره، ولا يجوز للمبدع أن لا يكون ذكياً بأي حال من الأحوال، وليس كل ذكي مُبدع، ولكن كل مبدع يتمتع بدرجة عالية من الذكاء، أي أن الذكاء متلازم مع الإبداع تلازماً لا ينفك وليس العكس من ذلك .

أما ما هي العملية الفكرية المميزة التي يقوم بها المبدع، فإنها هي تلك القدرة على ربط كل أو أكبر قدر من المعلومات السابقة والأفكار المتعلقة بالعلم أو الفكر أو الشيء في ذهنه، المراد الإبداع فيه ببعضها، وربطها بأي معلومات متعلقة بهذا العلم أو الفن في المحيط الذي حوله، ثم ربط هذه المعلومات في آن واحد بأكبر قدر ممكن من المعلومات والأفكار والتصورات في إتجاه التطوير والتحسين والتغيير لهذا العلم أو الفكر أو الشئ، هذه القدرة هي عملية فكرية معقدة فائقة غير ميسورة لكل إنسان، بالرغم من أن كل إنسان قادر على أن يقوم بشيء منها .

إذ إنه كلما زادت قوة ربط المعلومات التي ذكرت ببعضها وبغيرها من الأفكار، كلما إزدادت وتعمقت وتأصلت عملية إستحداث الأفكار .

أما المعلومات فهي الأعمدة التي تقوم عليها العملية الإبداعية بأكملها، وهي الوقود الذي تعمل به الآلة، فكلما كانت وفيرة كانت العملية الفكرية أعمق وأنتج وأبدع، فالمبدع يبصر عادة ما لا يبصره غيره، وهو الذي يرى عيوب الأشياء ومحاسنها مجرد أن تقع عيناه عليها فيدركها، وقد تُستلهم عنده الأفكار في طرفة عين لتطوير العلوم والأعمال أو تعديلها أو تغييرها أو إعطاء أيّ رأي صائب فيها .

أهمية الإبداع

وعلى هذا فإن الإبداع كان ومازال ضرورياً للحياة، وتطويرها وتطوير الوسائل والأساليب فيها، ضرورياً على مستوى الفرد العادي والفرد المبدع، وعلى مستوى المجتمع والأمم بأكملها، وما كان من نهضة الأمم في العصور السابقة والحالية ماهو إلا نتيجة الإبداع وثمرته، وما كان من تخلف في النهضة فهو نتيجة لتخلف الإبداع وقصوره، أو نتيجةً لمحاربته وسدّ الأبواب في وجهه، أو تقييد حرية المبدعين، أو سوء إستغلالهم أو حتى محاربتهم، وما إنتشار الظلم العالمي والجريمة العالمية إلا نتيجة لإستغلال المبدعين وإستثمار نشاطهم في سبيل الجريمة والشر والتسلط على الشعوب .

بقي سؤال واحد مهم جداً لنهضة أي أمة، وهو هل من الميسور تنمية القدرة على الإبداع على مستوى شعبي أو جماعي أو على مستوى الأفراد أو المؤسسات ؟ والجواب على ذلك أن هذا الأمر ميسور جداً وممكن، بل هو قائم وحاصل التطبيق في الدول والمؤسسات التي تُعنى جيداً بنهضة شعوبها ومنسوبيها في إطار برامج خاصة تعنى جيداً بهذا الأمر بالتحديد، وهو تنمية الإبداع وتطوير القدرة الإبداعية .

وهنا نذكر أمثلة لبعض المبدعين المطلقين، فقد لا يُستحسن ذكر الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) كمبدع مطلق حتى لا يتم الخلط بين نبوته وقدرته على الإبداع المطلق، فهو نبي مرسل ومؤيد بالوحي وذو خلق عظيم .

وأجد عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب خير مثال على المبدعين المطلقين، وأجد من العلماء الرازي وإبن سينا وإبن خلدون وإبن تيمية والشافعي وغيرهم كثير، أجدهم أمثلة جيدة عن الأشخاص المبدعين المطلقين، وعند الغرب ما يكفيهم كذلك من العلماء المبدعين المطلقين أمثال أديسون وديفنشي، وعندهم من المبدعين الإقتصاديين والسياسيين الكثير .

الإبـداع-الجزء الأول-

تعريف الإبداع

قد أخلص إلى تعريف الإبداع بهاتين الجملتين التي سأقوم بتفصيل محتواهما فيما بعد .

" الإبداع عملية فكرية يُستحدث بها أفكاراً تُحدث أعمالاً نهضوية أو تطويرية "

العقل والإبداع

أما كون الإبداع عملية فكرية، فهذا يعني أن الإبداع يتطلب العقل، والعقل ( أو الإدراك أو العملية العقلية) لا يتم إلا بوجود الدماغ عند الإنسان، لذلك لابد وأن نخلص أولاً لمعرفة ماهية العقل أو العملية العقلية، ومعرفة دور الحواس التي تمدّ دماغ الإنسان بالمعلومات وتنقلها إليه في إطار العملية العقلية، فالإبداع بحاجة إلى العقل، والعقل لا يتم إلا بالحواس ودماغ سليم يحمل معلومات سابقة عن المنقولات إليه ليستطيع تفسيرها .

فالبصر مثلاً ينقل "بما هو متاح له" هيأة الأشياء في البيئة وأشكالها وألوانها إلى الدماغ، وينقل كيفية حركة المخلوقات وإنفعالاتها، وكذا جميع الأحداث المرئية، فإذا فُقد البصر فقد الدماغ الحصول على هذا الجانب من المعلومات عن المحيط الذي حوله وما يدور فيه .

والسمع ينقل الأصوات كلها "بما هو متاح له" عن الأشياء التي تُحدثها، وأهم المنقولات من الأصوات هي الأحاديث المفهومة عنده، والألفاظ اللغوية ذات الدلالات، وكذلك الأصوات المرتبطة بإنفعالات معينة كالصراخ والبكاء مثلاً، بحكم أن اللغة تنقل إلى الدماغ أفكاراً وأخباراً ومعلومات ٍ كثيرة جداً، فإذا فُقد السمع فقد الدماغ الحصول على هذا الجانب من المعلومات عن المحيط الذي حوله وما يدور فيه .

والشم إحساس ينقل معلومات عن روائح الأشياء والأطعمة وغيرهم "بما هو متاح له"، والذوق مثله إحساس ينقل معلومات عن مذاقات الأشياء، واللمس مثلهم إحساس ينقل معلومات تتعلق بالبرودة والحرارة والألم والضغط الخارجي .

وأيّ من هذه الحواس إذا فُقدت فقد الدماغ الحصول على المعلومات عن البيئة التي تحيط به بما هو منوط بهذه الحواس من مقدرات، ويحتاج الدماغ حتى تتم هذه العملية العقلية إلى معلومات سابقة ليتمكن بهذه المعلومات تفسير ما ينقل إليه من معلومات عن طريق الحواس .

فإذا نقل السمع إلى هذا الدماغ كلاماً عربياً فإنه لا يقدر على إدراكه إذا لم تكن لديه معلومات سابقة عن اللغة العربية يستطيع بها تفسير ما نقل إليه، ولابد للدماغ من معلومات سابقة عن واقع الأشياء حتى يميز بها الحار من البارد، والصلب من اللين، والحلو من المر، والشميم من العفن وغير ذلك كثير .

فإذا ما استطاعت الحواس نقل الواقع إلى الدماغ وكانت هناك معلومات سابقة تفسر هذا الواقع تمت العملية العقلية أو العقل، ولذلك فإن ما ينقص المواليد الجدد أو الأطفال للعقل والإدراك هي تلك المعلومات السابقة لا غير، وإن ما ينقص الجاهل عن علم الطب أو الفيزياء أو الكيمياء هي معلومات سابقة تفسر ما تتحدث عنه هذه العلوم، وتتم عنده بهذه المعلومات العملية العقلية .

العلم والإبداع

لذا فإن الإبداع لا يتحقق بادئاً ذي بدء في علم لا يدركه الإنسان، لأنه يستحيل لمبدع أن يبدع في علم لا يدركه مهما سَهُل ذلك العلم، بل حتى لا يستطيع التعامل معه بأي حال من الأحوال، بل إن قدرة الإنسان على الإبداع تزداد كلما إزداد علمه وتعمقه وإحاطته بالفن أو بالعلم الذي يريد الإبداع فيه، وكذلك إحاطته بما يتعلق به من العلوم، عندها يكون قد أصبح مؤهلا ًلأن يبدع في هذا العلم أو الفن أكثر من غيره من بني الإنسان، أي أنه يصبح مؤهلاً لأن يستحدث أفكاراً جديدة فيه أو يعيد صياغتها صياغة جديدة لم تخطر على بال أحد من قبله، من شأنها – أي هذه الأفكار – أن تحدث تطوراً فاتناً صارخاً لهذا العلم أو الفن، أو أن تحدث إنقلاباً جذرياً في فهمه أو الإستفادة منه أو إستخدامه، فتُستحدث الأساليب وتُبتكر الطرق وتطور الوسائل للقيام بالأعمال وفي تنفيذها، فالإبداع هو إستحداث أفكار لم تكن .

الإبداع والحاجة

ولا تكفي زيادة العلم بالشيء للإبداع إن لم تكن للمبدع إرادة فيه، بل ترتبط الإرادة إرتباطاً مباشراً بالحاجة إلى الإبداع في ذلك العلم أو الفن، وقد ترتبط كذلك بميول المبدع للإبداع في ذلك العلم أو في غيره من العلوم، فالحاجة إلى إستحداث أفكار جديدة كلما إزدادت زاد الدافع إلى الإبداع، على قدر الحاجة إليه، ولكنه يتفاوت من مبدع وآخر، أما هذا التفاوت في القدرة عليه يعتمد على العلم والتعمق في العلم بالشيء، كما يعتمد على الإرادة المرتبطة بالحاجة، فترجح كفة الشخص الشديد الميل إلى الإبداع .

إن شدة الميل إلى الإبداع عند أحدهم قد لا تكفي لأن ترجحه عن غيره من المبدعين في ملكة إستحداث الأفكار، فهناك من يمتلك قدرة فائقة جداً على الإبداع تبرز ظاهرة في كل أمر يتعلمه ويجيد تعلمه وليس هو أمر مقتصر عنده على علم ما، بل إن الإبداع عند هذا أمر تلقائي لا يحتاج أن يتكلف فيه، في حين أن الإبداع عند غيره ينحصر فقط بميل إلى الإبداع في علم أو في فن معين .

علاقة الموهبة بالإبداع

وليست الموهبة هي الإبداع، ولا يسمى الموهوب في أمر ما مبدعاً، فالموهبة شيء والإبداع شيء آخر، فالموهبة هي ميل شديد إلى فهم وإتقان أداء أمر ما، والموهوب صاحب قدرة عظيمة على فهم وإدراك وأداء فعلٍ ما في جانب واحدٍ فقط من جوانب العلوم والفنون، وقد يكون الموهوب مبدعاً فيه وقد لا يكون، فلو كان مبدعاً فيه فيكون موهوباً ومبدعاً في آنٍ واحد، ولكن هذا لا يعني أنه صاحب قدرة على الإبداع في العلوم أو الفنون الأخرى إذا ما أتيح له أي للموهوب تعلمها. ولذلك فإن الموهوب المبدع يتفوق عن غيره من الموهوبين في نفس الفن .

الإختراع والإبداع

أما القدرة على تطوير علم أو عمل أو فن ما، لا تعني الإبداع فيه، بل إن فهم وإتقان العمل أو الفن جيداً وأداؤه بدقة وإخلاص يؤدي عادة إلى تطوير العلم أو العمل أو الفن وإظهاره في أحسن صوره، دون أن يكون هناك حاجة للإبداع، فإذا ما كان هناك إبداع فيه إضافة إلى الإتقان في أدائه فإن تطويره سيتضاعف أضعافاً كثيرة .

إن الإبداع من شأنه يستحدث أفكاراً جديدة لم تكن من قبل، تعطي العلم أو الفن أو العمل توسعاً وإنتشاراً وتشعباً، وتعطيه أفاقاً جديدة تؤدي غالباً إلى الإبتكار والإختراع فيه . مع التأكيد أن الإبتكار والإختراع والإكتشافات العلمية ليست هي الإبداع، فهذه كلها تحصل نتيجة للبحوث الكثيرة والتجارب العديدة والتعمق الشديد في علم أو فنٍ ما يُراد تطويره، أو إلى وضع الفرضيات التي قد يكون فيها شيء من الإبداع .

أما الإبداع نفسه فيما يتعلق بالإختراعات فهو إستحداث أفكار جديدة في كيفية القيام بهذه البحوث والتجارب، أو في كيفية إستغلال الأشياء للحصول على نتائج أفضل في الإكتشاف والإبتكار والإختراع، أي أن الإبداع عملية فكرية تقوم فوق كل العمليات الفكرية الأخرى بحكم أنها هي التي تصنع الأفكار وتستحدثها، ولنضرب أمثلة للإبداع، فأين الإبداع أو موقع الإبداع للمبدع في إدارة مصنع أو مؤسسة صحية أو تربوية أو علمية أو غيرها ؟

إن مدير هذا المصنع أو مدير هذه المؤسسة أو تلك قد يكون رجلاً عالماً بالإدارة، وقد يكون رجلاً موهوباً في فن الإدارة، وقد يكون رجلاً مخلصاً في الأداء الإداري ودقيقاً في تنفيذ كل التعليمات الإدارية وتطبيقها، وقد يكون متمرساً جداً عالماً بخفايا الإدارة وخفايا عمل مؤسسته فيعلم أين مواضع القوة وأماكن الضعف في المؤسسة، فتكون عنده القدرة لتحسين أوضاعها بما يمتلكه من علم، وبما تحتاجه هذه المؤسسة لتطويرها وزيادة إنتاجها، وقد يكتشف أو يخترع فكرة أو أفكاراً يطور بها هذه المؤسسة أو أحد جوانبها ويزيد فاعليتها، كل هذه الصفات الشخصية الإدارية تؤدي إلى إنتاج عمل مثمر وناجح ومتقن، بما هو متاح لهذا المدير من علوم وقوانين إدارية وفن في الإدارة وإخلاص في أدائها، أما أين موقع الإبداع في كل هذه الصفات ؟

قوة الشخصية - الجزء الثاني

علاقة قوة الشخصية بالقيادة و غيرها :

و قد تكون قوة الشخصية متلازمة بشكل طبيعي مع صفات أخرى من جنسها، ولكن أرقى منها، كتلازمها مع صفة القيادة ، فغالباً ما تجد القائد الحقيقي تزداد قدرته القيادية كلما قَويَت شخصيته، و تَقوى شخصيته كلما كان يمتلك صفاتٍ أكثر من تلك التي تصنع الشخصية القوية .

ولا نقول أن قويّ الشخصية قائداً وجوباً، و لكن نقول أن القائد يحتم عليه أن يكون قوياً للشخصية ليكون قائداً .

و إنه لا يمنع أن تكون هناك شخصيات قوية و كريمة في آن واحد، و غيرها أخرى قوية و شريرة في آن واحد، ولا يمنع كذلك أن يمتلك صاحب الشخصية القوية صفات إضافية في جانب الخير أو في جانب الشر .

مع العلم أن مفاهيم الفسق أو الشر تختلف من حضارة لأخرى، فالشخص الفاسق الشرير عند أقوام قد يُنظر إليه بين قومه أنه بطل يستحق الإحترام . و تتطلب هذه الحقيقة شرحاً مطولاً .

الشخصية القوية من منطلق الميول الغريزية :

أما الشخصية القوية فهي مطلب عند كل إنسان، وهي ميل منطلق من غريزة البقاء، فكل إنسان يميل إلى أن يكون سيد نفسه أو سيداً لعائلته أو قومه ، فنجده يسعى بكل ما أوتي من حيلة لأن يشبع هذا الرجع الغريزي، حتى ولو اكتفى بسيادته على نفسه و سيادته على أيّ شيء يؤمن بضرورته لإشباع جوعاته و إشباع ميوله الشخصية الأخرى المرتبطة بغرائزه الأخرى الطبيعية .

و نجد آخرين ممن تتعدى أهواؤهم سيادَتهم على أنفسهم و حاجاتهم العضوية إلى سيادتهم على أكبر قدر ممكن من المحيط الذي حولهم من الناس أو الأشياء، ما الذي يدفع الإنسان لأن ينمي في نفسه قدرات شخصية إضافية تؤهله لتحقيق هذه السيادة التي توافق طموحه .

فلو كان طموح أحدهم مثلا تَولّي منصبٍ إداريّ رفيع المستوى، فإنه سيعلم بالتأكيد أن هذا المنصب في حاجة إلى مؤهلات علمية معينة، و مؤهلات أخرى شخصية، تبدأ من الإستزادة من العلم الإداري والمعرفة عن أمور العمل و ما يتعلق به، مروراً بتجنب جميع الصفات التي تسقط هيبة الإنسان من التي ذكرنا آنفاً، و إنتهاءً بجميع الصفات التي تحافظ على الهيبة، بل و التي تزيد شخصية الإنسان وقاراً و إجلالاً و قدراً في النفوس و إحتراماً .

و لو كان طموح أحدهم مقتصراً على العمل الوظيفي، ثم يعيش في هذا الإطارٍ الضيق من العلاقات الإجتماعية أو العملية أو العلمية، ليوفر لنفسه عيشاً هادئاً حسب تصوره، فإنه قد لا يُهمه كثيراً من الصفات التي تُسقط أو تحافظ على الهيبة أو تزيدها إجلالاً أو وقاراً .

لذا فإننا نلاحظ أن السعي إلى بلوغ درجة متفوقة في الأعمال و خاصة الإدارية منها و القيادية ليس مرتبطاً فقط بالعمل لتنمية المقدرات الشخصية العلمية و العملية المتعلقة ببلوغ هذا المرام، و إنما بمستوى الطموح الذي يحمله الإنسان في داخله .

هذ الطموح يرتبط كما ذكرنا بحب السيادة، الذي يدفعه للسعي بشكل أو بآخر إلى تنمية المقدرات التي تُوصله لهذا المنصب أو ذاك من تلك الصفات المتعلقة بصناعة شخصية قوية من التمكن و التأثير فيمن حوله و إنجاح المهمات التي يتولى أمرها .

يُشترط لنجاح هذه المنظومة، الطموح و حب السيادة مع النزعة لبناء شخصية قوية توافق هذا الميل و هذه الطموح، الصدق في الإتصاف بهذه الصفات لبناء الشخصية القوية، وكذلك الطموح الصادق لهدف الإنتاج والتطوير أو النهضة والقيام بأعمال مؤثرة و ناجحة .

إلا أني يجب أن أؤكد أن كل ما ذكرت آنفاً فيما يتعلق بهذه الأمور لا يشترط أن يكون مستخدماً في جانب الخير فقط، و إنما هو وصفٌ مجرد لأمر قد يُوظف للشر كما هو ممكن توظيفه في الخير .

علاقة السعادة بقوة الشخصية و الطموح ؟

وقد ينحرف مفهوم الشخصية القوية عند بعضهم، فيظن بعضهم أنها تتحقق بصنع مظهر مهيب في الملبس أو شكل الوجه أو في الجسم، ويظن أخرون أنها تتحقق بكثرة الأموال والأملاك والسيطرة العمالية والتفاخر بها، ويظن غيرهم أنها تتحقق بالبطش وإرهاب الناس وما يرتبط بذلك، وقد يظنون أنها تتحقق بكل هذه الأعمال المادية دون غيرها، ولذلك فإننا لا نعجب عند كثيرين ممن يفشلون في صنع الهيبة لأنفسهم أن يعمدوا إلى كثير من هذه الأفعال، كتكثير الأموال أو الأبناء أو النساء، أو إلى تغيير الشكل، وتعمد لبس الثياب الفاخرة، أو العمم، أو تربية اللحى، أو غيرهم ممن يعمدون إلى البطش أو العنف على المستوى الفردي أو الجماعي أو الدولي لصنع الهيبة المفقودة وتغطيتها، وقد يهمنا هنا النظرة إلى الفرد قبل غيره فنرى سلوكيات كثيرة تربوية منحرفة في المنزل والمدرسة والجامعة وفي التعاملات الفردية المتبادلة في شتى المجالات .

بقى تساؤل أخير وهو إذا ما كان لكل إنسان القدرة على بناء هيبة ووقاراً وإحتراماً لنفسه أو ما يسمى بشخصية قوية،، طبيعي أن كل إنسان قادر على ذلك إذا أراد، والإرادة فوق كل شئ، بل حتى لدى الأشخاص ساقطي الهيبة فإنهم قادرون على إرجاعها، إلا أننا يجب أن ندرك أن صنع الهيبة والقدرة على ذلك تتفاوت من شخص لأخر فمنهم من يحتاج إلى كثير أو قليل من العناء لصنعها ومنهم من يمتلك الموهبة لذلك .

وقد تلعب أحياناً هيأة الجسم وضخامة الصوت وحسن إستخدامهم قدراً ضئيلاً في صنع الهيبة "أو ما يسمى بالشخصية القوية"، وقد يتطلب لساقطي الهيبة أحياناً تغيير مكان عيشهم أو عملهم وربما عناءاً أكثر من غيرهم في تحقيق هذا الهدف

قوة الشخصية- الجزء الأول

الجزء الأول :-


قوة الشخصية لفظ إصطلاحي درج عند عامة الناس، وعند بعض الخاصة للتعبير به عن هيبة شخص ما ، فيقال عن هذا أنه ضعيف الشخصية و يقال عن الأخر أنه قوي الشخصية، و بين هذا و ذاك درجات قد يطلق عليها صفة ما بهذا المقياس، و غالباً ما لا تجد صفة بهذا القياس على آخرين، فيكون هناك ضعفاً لغوياً في توصيف الأشخاص و نعتهم بما يتوافق مع صفاتهم .

و لذلك فإن هذا الاصطلاح تنقصه الكفاية أو الضبط الدقيق ، فقد يُعتبر شخص أنه ذو شخصية قوية لمجرد أن يكون ذا غنى ، أو يُعتبر آخر أنه كذلك لكونه ذا منصب إداري أو قيادي ، أو أيّ شخص له حضور إجتماعي أو معنوي .

و لذلك فإني أجد إطلاق لفظ الهيبة فيما يتعلق بقوة الشخصية أصدق من لفظ قوي الشخصية، فنقول رجل ذو هيبة وآخر كريم وغيره وقور، كلٌ بحسب الصفة الغالبة عليه، وكل منهم له صفات معينة تميز شخصه عن غيره من بني الإنسان، و بذلك يختلف الأشخاص عن بعضهم البعض وتتمايز شخصياتهم .

علاقة قوة الشخصية بالأعراف

و بما أن بحثنا في هيبة الإنسان أو قوة شخصيتة كما يقال، فإن كل شخص يتلقى من الإحترام والهيبة قدراً مساوياً لما يقدمه هذا الشخص للمحيط الذي حوله من سلوك و صفات يتصف بها، فإذا ما كان هناك خلل في السلوك في أمر ما مخالف للعرف العام في المنطقة التي يعيش فيها، فإن قدر الإحترام و الهيبة لصاحب هذا السلوك تتدنى بالقدر نفسه ، و للأعراف الموجودة في المجتمعات المختلفة دور هام في تقرير إستحسان سلوك ما أو ذمّه ، فالشخص الذي يعيش في مجتمع غربي على سبيل المثال و يقوم بسلوكيات تخالف الأعراف الموجود فيه، يكون قد قدم سلوكاً غير مُرضٍ للمحيط الذي حوله ، مالذي يجعله موضعاً لإنتقاده و للإنتقاص من إحترامه و هيبته بينهم.

و كذا الشخص الذي يعيش في مجتمع إسلامي فإنه إن قام بأفعال تخالف عرف الإسلام فإنه بذلك سيكون موضع إنتقاد و إنتقاص لهيبته و إحترامه، فالإنضباط السلوكي بحسب عرف معين في مجتمع معين كلما إزداد الإلتزام به إزدادت هيبة الشخص في النفوس و زاد إحترامه في ذلك المجتمع .

و هناك من الطبيعي سلوكيات معينة أخرى قد لا ترتبط بعرف معين أو مجتمع معين و إنما هي مما أجمع عليه جميع بني الإنسان، إنطلاقاً من الفطرة التي فطروا عليها فمنها ما يزيد هيبة الإنسان ووقاره ، و منها ما يسيء إليها فيسقطها .

سقوط الهيبة

و إن مما يسىء إلى هيبة الإنسان ووقاره و إحترامه عادة، كثرة المزاح ، أو فعل المزاح في غير موضعه ووقته ، و كذا كثرة الضحك، أو الضحك فيما لا يدعو إلى الضحك أو المبالغة في رفع الصوت به .

و كذا السخرية و الإستخفاف بالآخرين و الإعلان بها، أو جعل السخرية هي الغالب في الحديث عن الأخرين، أو جعل الإستخفاف بالآخرين و أفعالهم هي الغالب في أسلوب الحديث .

و كذا تجاهل آداب الحديث مع الغير كعدم الإنصات أو مقاطعة أحاديثهم ، أو الحديث إلى الغير بأسلوب تهكمي، أو جعل الإستفزاز هو طبع الحديث إليهم ، أو إبداء عدم الإهتمام بشخص من يتحدث إليه، أو كمحاولة الإستئثار بالحديث دون الحاضرين، أو الحديث فيما يعلم الإنسان أو فيما لا يعلم، أو التسابق إلى الحديث دون الأخرين، أو محاولة الإستعلاء على المتحدثين بأي أسلوب، أو كأن يُظهر الإنسان نفسه بأنه الناصح الحكيم بين الحاضرين، أو أن يقوم بدور الآمر الناهي في المجالس .

كذا فإن الصياح و كثرة الصياح في أي موضع من المواضع تُسقط هيبة الإنسان و تفقده من وقاره، وكذا استخدام الشتائم في الحديث عن غيره، أو الإنتقاص من منزلة بعضهم، أو الميل بالتعدي على غيره بحق أو بغير حق، حين يُساء إليه .

كذا فإن ما يفقد الإنسان هيبته إتصافه ببعض الصفات الدنيئة، كقبوله بالظلم على نفسه أو غيره وقبوله بالذلة والمهانة وإستسلامه لها، أو إتصافه بالجبن، أو اتصافه بالبخل أو بالجشع أو بالطمع، أو أكله حقوق الناس أو قيامه بأعمال دنيئة كالسرقة أو النصب أو الإحتيال،،، وإن من إهمال الإنسان لواجباته ومسؤولياته باعث لفقد هيبته وسقوط منزلته، عند القريب وعند البعيد من الناس، كسقوط هيبة الكبير عندما يقل نفعه، أو إشتغال صاحب المسؤولية بشهواته عن تكاليفه أو عن بنيه وأهله، أو كالذي تكون شهواته هي موضع اهتمامه وأحاديثه .

و لكن كثيرا من الصفات التي ذكرت في حاجة إلى من يقررها و يفرضها، و يثيب فاعلها و يعاقب تاركها، في المجتمع الواحد، لتكون عرفاً بين الناس، يتعارفون عليه، فيتحابون من أجلها و يتباغضون لمخالفتها، إما إن خضعت صفات كالبخل و الغش و الخداع و الكذب و الأنانية و غيرها للحرية الشخصية التي لا يُحاسب الفرد أو الجماعة عليها، تنقلب الموازين في المجتمع الواحد وتنقلب معها بالتالي موازين الهيبة أو قوة الشخصية .

الحفاظ على الهيبة

أما الصفات التي ترفع الإنسان و تحافظ على هيبته، أو تُكسبه هيبة ووقاراً في النفوس إتصافه بالحلم، ويزيده هيبة ووقاراً عدم غضبه لنفسه، وتسامحه وتجاوزه عن خطايا الآخرين مختاراً، يكتم غيظه في الوقت الذيٍ تهيج فيه النفوس عادة وتغتاظ، فلا يفزّ إذا ما اُستُفزّ، ولا يحمق إذا ما اُستحمق، ولا يثور إذا ما أُستثير، يتفاعل كذلك من منطلق عزة و ليس من منطلق هوان وذل.

قول الحق وطلبه وشدته فيه تصنع للإنسان هيبة ووقارا، كرفضه للباطل و شدته عليه، و كنصره للمظلوم و نجدته للمستغيث و مساعدته للضعيف و القيام بمصالح الناس .

و تزداد هيبة الإنسان كلما زاد نفعه للناس، ونفع الإنسان للناس يكون بزيادة علمه حيث تزداد حكمته و زِنة أفعاله، فلا يفعل فعلاً أو يقول قولاً في غير موضعه، و تزداد هيبته عندما يوقر الكبير و يرحم الصغير، و عندما يكون أكثر الناس إحساناً، بدءاً بأهله و أقاربه، و يزداد صاحب الهيبة هيبةً كرمه و سخاؤه و قناعته بما عنده، و يزيده هيبة سهولة تعامله و سهولة مقاضاته و تقاضيه .

و تزداد هيبة الإنسان بشكل صارخ و ملفت للأنظار، وتكون لشخصيته تلك القوة الملحوظة عندما يعمل على تبني مصالح الناس، و تجده دائماً يسبق غيره في المواقف الصعبة فيكون بطلها و رجلها، دون حاجته إلى الثناء أو الشكر، و عندما يكون وُجهَةً للأنظار في الكوارث و الأزمات لإيجاد الحلول و الخروج من المآزق ، و عندما يكون هو الشخص الذي يُشار إليه بالبنان للحصول على رأي في مصلحة ما طارئة او أمر عاجل .

و إن من الصفات التي تزن هيبة الرجل و ترجح كفته عن غيره و ترفع قدره، قوته في إتخاذ القرارت و تصميمه على إنفاذه لها، و قوته في إتمامه لها، و الوقوف عليها بكل عزيمة و صبر مهما خالف آراءُ الآخرين رأيه فيها .

و إن مما يصنع للشخص مهابة و إجلالاً في النفوس و تميّزاً إتصافه بالشجاعة و الإقدام عند قيامه بالأعمال، أو إتخاذه للقرارت الصعبة منها كالسهلة، و لا يقف أمامه شيء عند تنفيذ القرارات .

عندما تجتمع لشخص ما صفات الهيبة و الوقار و الإحترام و الإجلال في نفوس المحيط الذي حوله، من خلال الصفات التي ذكرنا، نستطيع إذن أن نتحدث عن قوة الشخصية .

أما إذا كان هناك إصطناعاً وتصنعاً للأفعال في سبيل بلوغ شخصية قوية، فإن إصطناع الأفعال أو محاولة الإتصاف بأي صفة مما يصنع الهيبة فإن ذلك يظهَر للناظرين ممجوجاً و زائفاً و مُقلّداً، ومكشوفا تماماً .

فبهذه المحاذير و بهذه المطالب يصنع الإنسان لنفسه، إن كان صادق مع نفسه، هيبة و وقاراً و إجلالاً، وإحتراماً في نفوس المحيط الذي حوله، وتتكون لديه ما يسمى بقوة الشخصية .