لقد جاء الإسلام ليطهر العباد مما تسببت فيه وتُسببه الروابط الزائفة الضالة المعتادة في حياة الناس، وفي تركيبهم الاجتماعي، وما تسببه من فساد في علاقاتهم فيما بينهم، وفي علاقاتهم بالأمم التي حولهم، وما ينبني على هذه الروابط والعلاقات الفاسدة من أنظمة فاسدة، وأعمال إجرامية، و فساد أخلاقي، وبغضاء وشحناء، وتنافس على الأموال والأولاد والسلطان .
لقد أنزل الله الإسلام على الناس بعقيدة الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر والإيمان بالحساب والعقاب، وبعقيدة أن الله هو السيد الآمر الناهي في قضائه وقدره، وأن الله صاحب السلطان على الخلق وصاحبه على الرزق، وعلى الخير والشر، ثم أجرى الله على أساس هذه العقيدة نظاماً محكماً منبثقاً منها، يعزز حقيقة هذه العقيدة، ويحقق الخير الذي يتأتى من خلالها، فيحافظ النظام على هذه العقيدة، ويحاسب على مقياس الأعمال التي ورد بها.
واستنادا لما قاله الله تعالى في كتابه الكريم "إنما المؤمنون إخوة"، فقد جعل الإسلام كل من يدخل في هذه المنظومة الفكرية والنظامية، جعلهم إخوة، في الواقع العملي والواقع العقائدي، لهم جميعاً ما لهم، وعليهم جميعاً ما عليهم دون تفضيل أو تباين بين عرق وجنس أو لون، فكانت وحدة الفكر العقائدي والنظامي هي بحق التي وحدت الناس، وربطتهم ببعضهم البعض، وجمعتهم على الخير، وكان تفرّقُ فكرِهِم هو بحق أداة لتفرق عقولهم وأجسادهم وتنافرها، ووقوعها فيما تكره (كما هو حاصل للمسلمين اليوم).
لذا فإن من شهد الشهادتين بحق ودخل في دين الإسلام، فقد أقر بكل الأحكام التي نزلت من عند الله فيما يتعلق بعلاقته بالله وبنفسه وبغيره من بني الإنسان، وأقر بإتباع هذه الأحكام.
وكما ورد في أحكام الإسلام، فقد فرض الله حقوقاً وواجبات على كل مسلم تجاه غيره من المسلمين، فكان للابن حق على الإنسان، وللزوجة حق عليه، ولوالديه حق، ولدابته حق، ولأهله ولأقربائه حق، ولجاره حق، وللطريق حق، ولإمامه عليه حق، وللناس أجمعين حوله لهم حق عليه، حتى نفسه لها عليه حق، وهي حقوق لا طائل لها من الرحمة والبر والأمانة والصدق والعدل والنصرة والغيرة وإنكار المنكر، ونصرة المظلوم، والأخذ على يد الظالم، وغير ذلك من الأفعال القيمة الشيء العظيم.
وكذا فقد حَظَر (حرّم) الله على المسلم القيام بأفعال كثيرة تجاه غيره من المسلمين، فلم يُجز للمسلم أن يناجش غيره من المسلمين، أو يباغضهم أو يحاسدهم، أو يعمل بالنميمة بينهم، أو يستغيب أحدهم أو يتجسس عليهم، أو يتكشف على عوراتهم، أو يهمز أحداً أو يلمزه، أو يؤذي أحدهم أو يساببه أو يظلمه أو يخذله أو يغشه أو يخادعه أو يمكر به أو يسيء إليه، أو يأكل مال أحدهم بالباطل، أو يمنع الزكاة عن مستحقيها، ومحاذير كثيرة أمر الله ورسوله بتجنبها، وقرر عليها عقاباً في الدنيا والآخرة.
بهذه الأوامر وهذه النواهي التي وجب على كل إنسان دخل في الإسلام أن يتبعها، من البديهي أن تُدخله في دائرة من العلاقات التي تفرض نفسها عليه وعلى غيره، فتفرض مشاعر الرضا والسرور عند كل الناس حين اتّباعهم لها، وتفرض صوراً من الغيرة ومشاعر الغضب على كل من يخالفها، فتكون مشاعر الرضا والغضب هي المترجم الحقيقي للرابطة التي تربط الناس بعضهم ببعض، وتكون الرابطة بين أهل الإسلام هي المرآة لمستوى الرقي والتميز التي تتمتع به الأحكام الإسلامية.
هذه الرابطة المستندة إلى الإيمان بالله ورسوله، والمستندة إلى ما قرره النظام المنبثق عن هذا الإيمان هي الرابطة الصحيحة، وهي الرابطة التي تسمى بالرابطة المبدئية، لأنها تسير بنظام معزز بعقيدة عقلية وقناعة متركزة في قلب المسلم وعقله، فهي بالتالي لا تنفك عراها ولا تنقطع أواصرها، ولا تتهاوى عند اختلاف المصالح، ولا تتغير أو تتبدل بتغير الأيام أو السنين أو الأماكن، وهي الرابطة التي لا تَمِيزُ عرباً من عجم، أو تَمِيزُ أسوداً من أبيض أو أحمر، وهي الرابطة التي تمحو العصبية القومية أو الوطنية، كل الداخلين فيها سواء، وهي الرابطة التي تُنتج وحدة فكر لأصحابها، وتُنتج وحدة اجتماعية ودَوْلية بقوة الحديد وصلابة الفولاذ، وهي التي تئد المشكلات الاجتماعية والأخلاقية والأدبية داخل البيوت وخارجها، وهي التي تؤتي أكُلَها (ثمرتها) كل حين، وثمرتها ناضجة تماماً ودائماً، وهي التي كلما أخَذْتَ منها ازدادت، وكلما غرفتَ منها نضحَت.
هذه الرابطة، هي التي طالما حاربَنَا عليها أعداؤنا الأمريكان والأوربيون وغيرهم، هم وأولياؤهم، وهي الرابطة التي يحاربنا عليها الحكام وأعوانهم، وهي التي يُخشى من المسلمين أن يعودوا إليها، كما كانوا قبل سقوط وإلغاء دولة الخلافة، وهي الرابطة الإيمانية التي جُيّشت لها الجيوش لكسرها ومحاربتها بين المسلمين، فتم تقسيم بلدان المسلمين إلى دويلات عديدة، وجنسيات مختلفة، ولغات متعددة، ودعوات وولاءات وطنية وقومية نتنة، فبات المسلمون يحملون عقيدة مسلوخة من نظامها، فيؤمنون بالله، ولكنهم يتعاملون إكراهاً بنظام الشيطان فيما بينهم، وبالتالي فقدْ فَقَدَ المسلمون هذه الرابطة المبدئية فيما بينهم، وفقدوا معها وحدتهم، وفقدوا قوتهم وعزتهم وكرامتهم، وفقدوا بأسهم على عدوهم، بل صار بأسهم بينهم شديدا.
قال الله تعالى في سورة الحجرات 10:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
وقال تعالى في سورة الفتح 29:
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
وقال الله تعالى في سورة آل عمران 28:
لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
وقال تعالى في سورة التوبة 71:
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ


0 التعليقات:
إرسال تعليق