شعور الخوف عند الإنسان أمر فطري خلقه الله تعالى في الإنسان، فهو رجْع غريزي لغريزة البقاء، وهو شعور طبيعي لحماية الإنسان نفسه من البيئة التي حوله وحمايتها من غيره، يصب في هذا الشعور الإيجابي مشاعر أخرى دونه كالوجل، وغيرها كالخشية، لتحمي الإنسان وتوقيه.
إلا أن الخوف إن زاد عن حده الذي وضعه الله في قلب الإنسان بمقداره الفطري الصحيح، تصيب الإنسان روْعة تكون وبالاً عليه وشراً، تقض مضجعه وتربك حاله فتصيبه بحيرة وقلق،، ولا يقف الخوف عند هذا الحد المريع بل يزداد، فإن زاد الخوف عن حد الروع وكان متواصلاً لا يكاد ينفك منه صاحبه، تصيب الإنسان عن وعي رهبة لا تكاد أن تتحملها نفسه، مما يجعله يؤثر أن ينقاد لمن أرهبه ويلبي مطالبه ويسلم أمره إليه، لأنه لا يرى نفسه على هذه الحال إلا مهزوماً حتماً،، فإذا أصاب الإنسان ما هو أكثر من الرهبة وهو حال الرعب فقَدَ كل مشاعر الأمان وفقد سيطرته على نفسه، فالرعب أشد وطأة على النفس من الرهبة وأكثر ألماً وقسوة، ولا يرى صاحبها لنفسه أماناً حتى ولو كان في بيوت محصنة،، أما درجة الهلع أو ما دونها من الفزع فهي مرحلتان قاسيتان تفوقان الرعب، وهي درجة لا يعود الإنسان فيها يملك نفسه، حيث تتغلب نفسه على عقله، حتى تأخذ نفسه بزمام الحركة دون عقله، وتتصرف به دون إرادته، ولو أدت به إلى الهلاك،، أما الذعر فهو أعلى درجات الخوف على الإطلاق وأشدها على صاحبها، وأكثرها ألماً وقسوة، وهي المرحلة التي يفقد الإنسان حقاً عندها عقله، وكأنه يرى الموت بعينيه، بل يراه حقاً وصدقاً، وهو حال للإنسان فظيع ومؤلم له ولمن يشاهده، وغالباً ما يدفعه إلى الانتحار أو إلى أي فعل جنوني قاتل يخلصه من هذا الشعور.
لذا فإن حالات الخوف التي وصفنا، هي في حقيقتها حالات قاسية وتدعو للشفقة على أصحابها،، فالشعور بأدنى درجات الخوف هو سجن لصاحبه، وقيود مكبلة لعنقه، وسلاسل وأغلالاً، وهو سجن فكري وعقلي وإرادي، فلا يفكر الخائف عادة إلا بما يغلب على ظنه أنه منقذه ومشعره بالأمان في لحظته ومستقبله، حتى ولو كان على حساب عزته أو كرامته، أو على حساب دينه إذا كان إيمانه ضعيفاً، حتى وإن عُرض على الخائف من الفكر أو العلم ما قد يشير من قريب أو بعيد للتصادم مع واقعه من أفراد أو مجتمع أو أجهزة أمنية أو حكومة قائمة، يكون الذي عُرض عليه من علم، هو من الأمور التي تمقتها نفسه، وتكرهها وتبغضها بغضاً شديداً.
الخائف لا يعقل عادة، أو لا يريد أن يعقل (أي يدرك) إلا ما يراه مناسباً مع أمان نفسه، بل عندما يُخيّر الخائف بين ما يُطرح عليه من الأمور، يختار المسائل ذات الجوانب الآمنة فقط، التي يطمئن لها من ناحية أمنه، ويدع الجانب الذي يريبه مما يفسره عقله من واقع مخيف، حتى ولو كان ذاك الجانب صائباً ، فلا يريد أو يفعل إلا ما يرى من الأفعال التي تسير به إلى أمانهِ الآني، حتى ولو ذل أو فَقُر.
الخائفون يلبسون نظارات سوداء لا تريهم الأشياء والأمور على حقيقتها، فلذلك لا يرون البيئة بألوانها المختلفة والمتعددة حولهم إلا بلون واحد، فلذلك هم قليلو المتعة في الحياة.
الخائفون يرتابون من كل شيء وإنسان يرونه أو يسمعونه يخص أمنهم، أو حتى لا يمس أمنهم، بموقف فائق الحذر على مقياس (قد يمس أمننا ونحن لا نعرف).
الخائفون عدوهم الإقدام، بل غريمهم الجرأة والتحدي والمغامرة، فالخوف يجمد أجسادهم في أماكنها، ويمنعهم من التطلع إلى نهضة أو تطور أو رقي،، ويدفعهم خوفهم لأن يضحوا بكثير من الأموال في سبيل من يجدونه يقوم بدلاً عنهم بأعمال أو نهضة يتمنونها. أما الجرأة والتحدي والمغامرة فهي من المحاذير عند الخائفين، ويرونها مستحيلة، ويرون أصحابها مجانين، ويرى الخائفون أن أصحاب الجرأة والتحدي والمغامرة يفوقون البشر في مقدراتهم.
الخائف لا يحب مصاحبة الشجعان، بالرغم من متعته بسماع بطولات الشجعان وأحاديثهم ومغامراتهم، ولكنه تجزعه أفعال الشجعان، لذا فالخائف لا يحب مصاحبتهم، وإنما يعمد لتقليدهم ليحقق متعة الشعور بلوغ مراتبهم، أو يعمد لإشباع شعور الشجاعة وتحقيق البطولات بألعاب المغامرات الإلكترونية وبما يسمى بألعاب السوني والبلايستيشن أو غيرها، أي تحقيق البطولات في العالم الافتراضي.
الخائفون تبهرهم أعمال النهضة والتطور والرقي، وتبهرهم أفكارها، ولكنهم لا يستطيعون التعامل معها أو القيام بها، لأنهم يشعرون بالعجز الشديد للقيام بأي شيء منها، وبالعجز من تعلّمها أو التخطيط لدراستها، ولذلك فهم يعيشون ليومهم، لا يعيشون لغدهم ولا يخططون له، لأن القناعة بالعجز تسيطر على عقولهم المجمدة.
الخائفون مستسلمون للواقع، فالواقع مصدر تفكيرهم، أي أنهم يكرهون التفكير، لذا فهم يجزعون خاصة من أفكار تغيير الواقع، ناهيك عن جزعهم من أعمال التغيير التي تستفز أعصابهم وتستثيرها، بل وتهددهم وتهدد شعورهم بالأمان وهم في عبوديتهم، وهذا أسوأ ما يمكن حصوله لهم.
الخائفون يشترون شعور الأمان حتى ولو بكرامتهم وعزتهم، كما يشترونها بأموالهم، وبأغلى ما يملكون، فهم يفضلون الذلة والمهانة والجوع والفقر على أن يمس أحدهم أمانهم أو شعورهم بالخوف.
الخائفون يستسلمون لكل شيء، أي يمتنعون عن فعل أي شيء يمس أمنهم، حتى أنهم ليمتنعون عن طلب العلم النهضوي، أو التعرف على الكيفية للتخلص من العبودية والظلم والجوع أو الفقر.
الخائفون على مستوى الأفراد والشعوب والدول تجدهم دائماً متأخرين أو عاطلين أو عاجزين أو متخلفين، ولذا تجد الخائف يكذب عادة ليغطي نقصه وضعفه بأعمال وأقوال تُظهره على خلاف حقيقته، كأن يفتخر بأعمال لم يقم بها فينسبها لنفسه.
الخائف يمد يده حتى لعدوه لينقذه من مسببات خوفه، فهو لقمة سائغة سهلة لذيذة لكل الطامعين، فقد تأخذ منه كل ما تريد على شرط أن تُشعره بالأمان، وأن لا يمسه أحد بسوء أو يهدد أمنه.
ولو راقبنا الشعوب الإسلامية والعربية على وجه الخصوص لوجدنا أنه قد مورس في حقهم أفراداً وشعوباً ومجتمعات متفرقة كل أنواع التخويف المُوصلة إلى درجات الخوف التي ذكرنا بأشكالها وألوانها،، بدءا من التربية القائمة على الخوف والتخويف والترهيب، كقولهم لا تفعل كذا وإلا فمصيرك كذا، وليس على مبدأ إن أردت أن تفعل فافعل، ولكن كن حذرا من حصول كذا أو كذا،، والتربية كذلك على منهج التخويف على الحياة والمال والأولاد والرزق التي هي أصلاً (كما يدعون) بيد الدولة أو الحاكم التي يمنحها من يشاء ويصرفها عمن يشاء،،
ولا تقوم التربية اليوم على تقديم حقيقة أن الله بيده كل شيء، ويرزق من يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، أي التربية على أن في إتباع أوامر الله واجتناب نواهيه العزة والكرامة والشرف وحفظ الأموال والأعراض، وأن حرية الإنسان التي يجب أن تكون مطلب المسلم والتي يكفلها الإسلام له هي التي تكفل له ولأهله ولذريته من بعده الرزق والخير كله وهو عزيز غير مهان، فإذا ما قام المسلم بتكاليف الدعوة إلى الله وإلى دين الله وإلى شريعة الله، وإذا ما قام بإنكار المنكر لا يخاف أحدا إلا الله آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر حصلت العزة والكرامة والخير الكثير للإنسان.
في الواقع الحالي لم تقم التربية على هذه القواعد الإيمانية ولم تقم على اعتبار هذه القواعد أموراً مصيرية في التربية تحمي الإنسان من الوقوع في الخوف والرعب والرهبة والجزع والفزع، ومن أن يعبث به وبحريته العابثون، ولنا في واقع المسلمين اليوم والبلدان العربية خاصة أعظم دليل، وقد تربت مجتمعاتهم بأكملها وشعوبهم على الرعب والخوف والمهانة والذل، ولكن الله يمكر بالخير، وهو خير الماكرين، وسيعود المسلمون إن شاء الله عاجلاً يقودون نهضة العالم بالخير وبالعمل الصالح في ظل دولة خلافة راشدة وعد الله بها ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:
{وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }الأنعام81
وقال تعالى:
{وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }الأنفال26
وقال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران:
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ{173} فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ{174} إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{175}
0 التعليقات:
إرسال تعليق